كورسك وما ادراك ما كورسك: هل سيركب بوتين موجة التغيير ام ان الموجة ستركبه؟
د. سلام العبيدي*
قبل 24 عاما، وتحديدا في 12 آب / أغسطس عام 2000 غرقت الغواصة النووية الروسية “كورسك”. وقعت تلك الكارثة المدوّية في الأشهر الاولى من تولي فلاديمير بوتين رئاسة البلاد بعد تنازل سلفه بوريس يلتسين عن السلطة، كما استنتج آنذاك، بسبب مرضه وانهيار شعبيته واقتراب روسيا من حافة الهاوية. تعاملت السلطات الجديدة مع نكبة “كورسك” آنذاك بلامبالاة، بل خدعت الرأي العام على مدى أيام مدعية أن الصراع من أجل حياة طاقم الغواصة مستمر وان الامل في انقاذ البحارة العالقين فيها لم يفقد. بوتين نفسه كان يقضي إجازته الصيفية في منتجع سوتشي ولم يقطعها. ربما كان الرجل يفكر في التركة التي ورثها عن يلتسين ويخطط لأساليب حكمه، المستمر منذ ذلك الحين، للبلاد.
تراجيديا “كورسك” تتكرر بالنسبة للرئيس الروسي. آنذاك غفل بوتين غرق الغواصة النووية، اما اليوم فغفل هجوما أوكرانيا رنانا وكبيرا على منطقة “كورسك” التي سميت الغواصة باسمها، نظرا لرمزية هذا الاسم في الذاكرة الروسية.
معركة “قوس كورسك” كانت مفصلية وشكلت منعطفاً في سير الحرب العالمية الثانية. ويجمع المؤرخون على إنها حسمت تلك الحرب لصالح الاتحاد السوفييتي على حساب ألمانيا النازية. بمعنى آخر، ان الانتصار في “كورسك” مهد لقمة “يالطا”، التي وضعت الترتيبات للنظام العالمي الذي نعيش في كنفه حتى اليوم، رغم كل التناقضات والصراعات.
من غير المستبعد، ان اختيار الزمان والمكان لشن هذا الهجوم المربك لروسيا وقيادتها لم يكن من قبيل الصدفة ويهدف لزعزعة ثقة الشعب الروسي ببوتين وسياسته وجيشه. وعلى ما يبدو، فان هذا الهدف تحقق ولو جزئياً. روسيا التي تورطت في حرب ارادها بوتين ان تكون خاطفة وسريعة، لكنها أصبحت طويلة ومكلفة، يبتزّها الهجوم الاوكراني لكي يتم جلبها إلى طاولة المفاوضات ليس بشروط موسكو.
في آخر قمة أمريكية روسية في جنيف، التي شهدتُ كواليسها بنفسي، نصح جو بايدين فلاديمير بوتين بان لا يتورط في أوكرانيا، لانها ستتحول إلى أفغانستان ثانية بالنسبة لروسيا. الرئيس الروسي كان واثقا من ان السلطة في أوكرانيا ستنهار امام أرتال الدبابات الروسية المندفعة نحو كييف، مستندا في ثقته تلك إلى تقارير استخباراته وخبرائه ومستشاريه. لكن تسلسل الاحداث، لا سيما صور عشرات الآليات الروسية المحترقة على الطرق المؤدية إلى العاصمة الاوكرانية، اظهر عدم واقعية ودقة تلك التقارير.
جنرالات وزارة الدفاع الروسية التي نخرها الفساد والتي تمر بحملة تطهير تحاكي ما مرت به القيادة العسكرية السوفييتية غداة الحرب العالمية الثانية، يعترفون بصعوبة الموقف العسكري في “كورسك” التي يستمر الجيش الاوكراني بالتقدم في قراها وبلداتها ليصبح سلاحه قادرا على ان يطال محطتها النووية. هؤلاء الجنرالات يقولون ان طرد القوات الاوكرانية من الأراضي الروسية قد يتطلب شهرا على اقل تقدير واستدعاء تعزيزات عسكرية إضافية. ثمة معطيات أولية تتحدث عن سحب قوات روسية من جبهتي خيرسون وزابوروجيا.
بالنسبة لأوكرانيا، وعندما نتكلم عن أوكرانيا بالتأكيد نقصد ايضا الغرب الجماعي الذي يقف خلفها، فان الاختراق الذي أنجزته كييف وشريكاتها في “كورسك” هدفه المساومة وتحقيق معادلة “المحطة النووية بالمحطة النووية والأرض بالأرض”. الانسحاب الروسي من خيرسون، كذلك من زابوروجيا، حيث تسيطر روسيا فيها على اكبر محطة نووية في أوروبا، ينسجم مع هذه المعادلة.
سبق ان كتبنا في “رأي اليوم” https://www.raialyoum.com/العالم-كله-رهينة-الصراع-على-كرسي-الرئا/ ان الدبلوماسية المكوكية لرئيس الوزراء المجري فكتور أوربان تهدف إلى التوصل إلى قاعدة تفاوضية على اساس التنازلات المتبادلة بين موسكو وكييف: الاعتراف بانتماء القرم إلى روسيا، تجميد النزاع في دونباس والتفاوض على الانسحاب الروسي من خيرسون وزابوروحيا. بمعنى آخر، العودة إلى وضعية ما قبل 24 شباط / فبراير عام 2022، عندما أمر بوتين قواته بالتوغل في أوكرانيا
في حقيقة الأمر، فان الحديث يجري عن عملية تفاوضية جديدة بديلة لعملية “مينسك”. وهنا يستجد سؤال جدي: هل ما يجري على الارض اليوم متفق عليه في الكواليس الأمريكية الروسية، ام ان ثمة صفقة عقدها الليبراليون المتصهينون الروس مع الغرب خلف ظهر بوتين؟ في كلا الحالتين روسيا هي الخاسرة، لانها ستضطر للمساومة انطلاقا من نقطة الصفر ومن دون شروط مريحة لها. واذا افترضنا ان لا صفقات في الكواليس، فان الاختراق الاوكراني للأراضي الروسية يعد صفعة قوية لروسيا وقيادتها وجيشها وهيبتها وهو الاخر يجر موسكو إلى مساومة ليست في مصلحتها مع اوكرانيا والغرب. اي ان روسيا تخسر هنا ايضا. البديل – تصعيد القتال والانتقال إلى التدمير الممنهج لكل شيء في أوكرانيا والتسبب في ردة فعل مماثلة لدى الأوكرانيين. وهكذا ستتحول الحرب إلى تدمير واستنزاف متبادلين بين بلدين جارين وشعبين شقيقين، تماما كما يريد الغرب الجماعي الليبرالي المنحاز للصهيونية. بمعنى آخر، ستتحقق تهديدات بايدن بتحويل أوكرانيا إلى افغانستان ثانية بالنسبة لروسيا، بل إلى اسوأ من أفغانستان، لان الروسي يقتل الروسي في أوكرانيا. وكما قال بوتين نفسه، فان الصراع في أوكرانيا هو حرب أهلية.
نحن لا نريد لروسيا الهزيمة في حرب خاسرة بالأساس ويجري فيها استنزاف طاقاتها البشرية والاقتصادية والعسكرية وابتزازها سياسيا. كم كان موقفنا أقوى في مواجهة العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة والأمة عامة لو لم تكن روسيا متورطة في هذا الصراع العسكري الدموي عديم الأفق.
الدبابات الروسية التي تقاتل في أوكرانيا اليوم ترفع الأعلام السوفييتية الحمراء. في هذا التصرف رمزية تداعب الذاكرة الشعبية وتعيد إلى الأذهان مآثر الأجداد الذين قاتلوا النازية في القرم ودونباس وكورسك إبان الحرب العالمية الثانية. هذا من جهة، اما من الجهة الأخرى، فان كثيرين في المجتمع الروسي، ولا سيما اولئك الذين قاتلوا ويقاتلون في الجبهات، وأعدادهم بمئات الآلاف، باتوا يعون عبثية هذه الحرب وضرورة التغيير السياسي على حد سواء في كل من أوكرانيا وروسيا لإنهائها. الخطوات ذات الأصداء الرنانة التي يقوم بها بوتين في الاونة الأخيرة، كالإقالات والاعتقالات والمحاكمات والتعديلات المؤسساتية، توحي بان الرجل يفهم ضرورة التحولات الجذرية في سياسة الدولة. نأمل ان تنعكس هذه التحولات ليس فقط على السياسة الداخلية، وانما على السياسة الخارجية ايضا، لكي تتمكن روسيا من الإفلات من أغلال الليبرالية والصهيونية.
ان لم يركب بوتين موجة التغيير الجذري في روسيا فان الموجة ستركبه.
كاتب عراقي
2024-08-15