كلمة الأستاذ بشارة مرهج رئيس مجلس امناء مؤسسة القدس الدولية بالوكالة في مؤتمر صحفي لإطلاق تقرير حال القدس 2024!
تحية عربية طيبة وبعد
ما زلنا نعيش في ظلال المواجهة الأكبر في تاريخ القضية الفلسطينية، ملحمة طوفان الأقصى، التي انطلقت دفاعًا عن القدس والمسجد الأقصى حيث جوهر الصراع، وعن الأسرى سفراء الحق والحرية، وعن الأرض الفلسطينية بوحدتها التي ترفض قيود الاحتلال.
خلال العام 2024، مرت القضية الفلسطينية بمنعطفات مهمة ومفصلية، ففي مواجهة محاولات تصفية القضية والحسم في ملفات تهويد الأقصى والقدس وتدمير غزة وتهجير أهل الضفة، وقفت المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة، كالطود الشامخ تواجه تلك المحاولات بالدم والتضحيات الجسام، معريةً قوة الاحتلال وعنجهيته، ومزلزلةً وهم الأمن والاستقرار لديه، فقدم لبنان خيرة جنده وقادته شهداء، وقاتلت اليمن وهي على بعد آلاف الأميال بكل ما أوتيت من قوة وانخرطت إيران في المعركة ، وساند العراق فلسطين بقوة.
الحضور الكريم:
خلال الخمسة عشر شهرًا الماضية وفي ظل حكومة يمينية متطرفة تلهث وراء التهويد والاستيطان، صعّد الاحتلال من إجراءاته التعسفية بحق الفلسطينيين في الضفة والقدس، وزادت وتيرة الاعتقالات لتصل إلى أرقام غير مسبوقة، واستشهد العديد من الأسرى تحت التعذيب في سجون المحتل، وواصل الاحتلال عدوانه الوحشي على مدن وبلدات ومخيمات الضفة، وحاول فرض الوقائع الجديدة بتوسيع الاستيطان.
وفي سعيٍ محموم للاحتلال لإفراغ طوفان الأقصى من مضمونه، شن هجماته في كل الاتجاهات ، حيث واصل حصار المسجد الأقصى المبارك، واستمر بممارسة الطقوس التوراتية الجماعية بشكل شبه يومي تحت حراب وبنادق الجنود في ظل استراتيجية تسعى لإقامة المعبد معنويًا قبل إقامته ماديًا.
وفي الضفة المرابطة المُهدَدَة بالاستيطان والتهجير، تواصلت المقاومة رغم قيود الاحتلال بكافة الوسائل والأشكال فمن المقاومة الشعبية والعمليات ذات الطابع الفردي، إلى العمليات النوعية التي نفذتها الكتائب المقاتلة التي احتضنتها مخيمات الضفة، لم يدّخر الشعب الفلسطيني هناك جهدًا لإسناد إخوانه في غزة، وقدم المئات من الشهداء والآلاف من الأسرى، وأثبتت أن نبض الضفة لا يهدأ وأنه عصيٌّ على التهجير والخنوع والاستسلام.
أمّا غزة ملحمة الفداء ومصنع البطولة وعنوان الصمود، ففيها أُعيدَ كتابةُ التاريخ، تاريخٌ يصنعه أبناء الأرض الذين رفضوا أن يهاجروا منها وقاوموا فوق كل شبرٍ من ترابها الطاهر أعتى آلةٍ حربيةٍ في العالم ومن ورائها كل قوى الظلم والاستكبار العالمي، قاتلت غزة بشهامة وبسالة ولم ترفع رايةً بيضاء، وأجبرت نتنياهو أن يبتلع كل أهداف الحرب فلا هو استعاد أسراه بالعمليات العسكرية، ولا قضى على المقاومة التي ظلت تقاوم عسكريًا وإعلاميًا في الأيام الأخيرة قبل الهدنة وكأنها الأيام الأولى من الحرب، ولا استطاع أن يبقى في نتساريم فرحل جنوده وبقي الغزيون، وسيضطر مجبرًا قريبًا بإذن الله على مغادرة غزة مذلولًا مهزومًا يجر خيبته وراءه ولم يحقق سوى هدفًا واحدًا أتقنه كحال كل الطغاة والمستبدين وهو القتل والتدمير والإبادة.
أيها الحضور الكريم أحباب القدس وفلسطين:
نجتمع اليوم والمنطقة برمتها على مفترق طرق صعب فمع وصول دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وضع الأخير نصبَ عينيه، المُضي قُدُمًا في مخططات التصفية للقضية الفلسطينية بدعوته ودعمه لمخططات التهجير للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية ودعمه لمسار التطبيع الذي بدأه في صفقة القرن، ولعل تصريحاته خلال الأيام الماضية تحمل نُذر خطرٍ على القضية الفلسطينية فيما لو استجابت لها دول المنطقة، ومن هنا ندعم مواقف الدول والهيئات والمنظمات الرافضة فعلاّ لتهجير أبناء الشعب الفلسطيني، وهذا الأمر يتطلب وقفة حقيقية من كل مكونات الأمة لرفض مخططات التصفية والتهجير ولإسناد المقاومة الفلسطينية رأس حربة الأمة في مواجهة المشروع الإسرائيلي – الأمريكي، فالمعركة باتت اليوم معركة وجود.
في الختام، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك نهديكم أطيب التمنيات ، آملين من الله عز وجل بأن يكون شهر رحمة للأمة جمعاء وشهر عزٍّ ونصرٍّ للمقاومين في فلسطين.
الخلود للشهداء.. الحرية للأسرى.. النصر للمقاومة.. الثبات للمرابطين
القدس نحميها معاً نستعيدها معاً
بيروت في 13-2-2025