قمة بغداد… حوار وتضامن وتنمية!
بقلم: بروفيسور وليد الحيالي
في عالم مضطرب تتشابك فيه الأزمات وتتعاظم التحديات، تبرز المبادرات الإقليمية الصادقة بوصفها نافذة أمل نحو مستقبل أفضل. ومن بين هذه المبادرات، تأتي قمة بغداد لتشكل علامة فارقة على طريق الحوار والتضامن والتنمية، ولتؤكد أن العراق لا يزال يحتفظ بدوره التاريخي كمركز تلاقي وتوازن في محيطه العربي والإقليمي.
أولًا: حوار من أجل الاستقرار
لم تكن قمة بغداد مجرد اجتماع بروتوكولي، بل منصة حقيقية جمعت دولًا بوجهات نظر متباينة، لكنها التقت عند الحاجة المشتركة للسلام والاستقرار. لقد أعادت القمة الاعتبار لأهمية الحوار الإقليمي، بعيدًا عن لغة المحاور والتجاذبات، ووضعت على الطاولة قضايا الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وتداعيات التغير المناخي، وملفات الطاقة والمياه واللجوء… وهي ملفات لا تعترف بالحدود ولا تنجح في معالجتها السياسات الانعزالية.
ثانيًا: تضامن لا يُختزل بالشعارات
لقد جاءت القمة لتعكس روح التضامن الفعلي، لا التضامن الخطابي. تضامن يتجسد في الرغبة المشتركة لدعم العراق في مسيرته نحو التعافي الاقتصادي والسياسي، بعد سنوات من الحروب والصراعات. فالدول المشاركة لم تكتفِ بإلقاء كلمات دبلوماسية، بل عبرت عن إرادة ملموسة في التعاون، وهو ما نلمسه في الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم التي أُبرمت على هامش القمة، وفي الاستعداد للمساهمة بإعادة الإعمار والاستثمار في البنى التحتية.
ثالثًا: التنمية بوصفها الضمانة
ولعل أبرز ما يميز قمة بغداد هو إدراكها العميق بأن التنمية هي الضمانة الحقيقية للاستقرار. فلا يمكن للأمن أن يترسخ دون اقتصاد مزدهر يخلق فرص العمل ويقلص الفجوات الاجتماعية. لذلك، طرحت القمة رؤى اقتصادية طموحة، من مشاريع الربط الكهربائي والسككي، إلى التبادل التجاري، والتكامل في قطاع الطاقة، بما يجعل من العراق جسرًا اقتصاديًا لا مجرد ساحة تنازع.
خاتمة: العراق يعود بثقة… بشرط الإصلاح من الداخل
إن قمة بغداد ليست نهاية المطاف، بل بداية لمسار ينبغي استكماله. إنها دعوة للعراق ليأخذ زمام المبادرة، ويكرس موقعه بوصفه عامل توازن وبناء في منطقته. وهي في الوقت نفسه دعوة للدول المشاركة لأن تترجم أقوالها إلى أفعال، ولشعوب المنطقة لأن تؤمن بإمكانية الانبعاث بعد الخراب.
لكن لا يمكن للعراق أن يستعيد دوره القيادي عربيًا وإقليميًا ما لم يتحرر من نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، الذي أضعف مؤسساته، وشتّت ولاءات أبنائه، وجعل من الصراع على السلطة عقبة أمام أي مشروع تنمية حقيقي. إن الدولة التي تُبنى على أساس الكفاءة والمواطنة، لا على التقسيمات الهوياتية، هي وحدها القادرة على قيادة محيطها والتأثير فيه.
ففي بغداد، حيث كُتب التاريخ وتقاطعت الحضارات، يتجدد الأمل من جديد… لا من خلال شعارات جوفاء، بل عبر حوار صادق، وتضامن فعلي، وتنمية مستدامة، وإصلاح داخلي جذري يفتح الأبواب أمام عراق جديد، قوي بقيَمه، موحد بشعبه، فاعل في محيطه.
2025-05-18
