قمة ألاسكا:
“فن الممكن” يكسر جمود الحرب ويفتح نافذة للتسوية
القمة بين الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين كسرت الجمود وفتحت نافذة فرصة لتسوية تاريخية تنهي الصراع وفق معادلة علاقات القوة بين واشنطن وموسكو.
سعيد محمد*
انتهت القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين يوم الجمعة في قاعدة إلمندورف الجوية – بأنكوريج العاصمة الاقتصادية لولاية ألاسكا –، دون التوصل إلى اتفاق فوري لوقف إطلاق النار في أوكرانيا كما كان يتأمل نظام كييف وحلفاؤه الأوروبيون، وبدلاً من ذلك، توافق الرئيسان على مبدأ السعي لإبرام “اتفاق سلام شامل”، ما أثار ردود فعل متضاربة تراوحت بين الترحيب الحذر في موسكو والقلق العميق في كييف والترقب في العواصم الأوروبية. وتتجه الأنظار الآن بشكل كامل إلى اجتماع حاسم من المقرر عقده في البيت الأبيض اليوم (الاثنين) بين الرئيس ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
وكان سبق محادثات أنكوريج استقبالٌ رسميّ حافل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مشهد غني بالدلالات السياسية، ثم أجريت محادثات استمرت قرابة ثلاث ساعات خلف أبواب مغلقة، خرج الرئيسان بعدها أمام وسائل الإعلام ليصفا اجتماعهما بعبارات إيجابية عامة. وقال ترامب إن المحادثات كانت “مثمرة للغاية”، بينما وصفها بوتين ب”البناءة والمفيدة”، مؤكداً أنه أتيحت له الفرصة “لشرح موقفنا وأسباب وجذور هذه الأزمة”، مشيراً إلى “إن القمة تؤسس لتطبيع العلاقات مع واشنطن “. لكن التفاصيل الحقيقية للمحادثات ما لبثت تتكشف لاحقاً. ففي صباح السبت، أعلن الرئيس ترامب عبر منصته “تروث سوشال” عن تغيير في المقاربة الأمريكية، قائلاً: “لقد تقرر من قبل الجميع أن أفضل طريقة لإنهاء الحرب المروعة بين روسيا وأوكرانيا هي التوجه مباشرة إلى اتفاق سلام، وليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار، الذي لا يصمد في كثير من الأحيان”، ما اعتبرته كييف وجوقتها الأوروبيّة بمثابة تراجع واضح من ترامب عن تهديداته السابقة بفرض “عواقب وخيمة” على موسكو إذا لم توافق على وقف القتال.
وأفادت تقارير إعلامية متقاطعة، نقلاً عن مسؤولين أوروبيين تم اطلاعهم على مضمون المحادثات، أن بوتين طرح عرضاً يطالب فيه بانسحاب أوكرانيا من كامل الأجزاء المتبقية من إقليم دونباس (أقل من 20 بالمائة من مجمل مساحة الإقليم)، مقابل تجميد القتال على طول خطوط الجبهة الحالية في مناطق خيرسون وزاباروجيا الجنوبية.
موسكو استقبلت نتائج القمة كانتصار دعائي ودبلوماسي. وركزت وسائل الإعلام الرسمية بشكل كبير على مظاهر الاستقبال الحافل الذي حظي به بوتين، من السجاد الأحمر إلى مرافقة المقاتلات الأمريكية لطائرته، معتبرة أن هذه الصور تنهي بشكل قاطع الحديث عن “عزلة روسيا”. وكتبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بسخرية على قناتها في تليغرام: “وسائل الإعلام الغربية في حالة هوس… لسنوات تحدثوا عن عزلة روسيا، واليوم رأوا السجاد الأحمر يُفرش للرئيس الروسي في الولايات المتحدة”.
على النقيض تماماً، كانت الأجواء في كييف قاتمة. وشعر كثير من الأوكرانيين بالاستياء والغضب من المشاهد القادمة من ألاسكا. ونقلت وكالات الأنباء عن مواطنين في العاصمة قولهم إنهم شعروا “بالانسحاق” لرؤية بوتين، الذي يعتبرونه “مجرم حرب”، يُستقبل في الولايات المتحدة، راعيتهم، بحفاوة بالغة.
الرئيس زيلينسكي، وفي سلسلة من التصريحات، حاول الموازنة بين عدم معارضة جهود التسوية بشكل مباشر والتأكيد على خطوط كييف الحمراء. وقال: “السلام الحقيقي يجب أن يكون دائماً، وليس مجرد هدنة بين الغزوات الروسية”، مردداً لازمة ترامب بأن “المقتلة يجب أن تتوقف في أسرع وقت ممكن”. وحذر زيلينسكي من أن روسيا قد تستغل الأيام المقبلة لتصعيد هجماتها بهدف تحسين موقفها التفاوضي، فيما أكد مسؤولون أوكرانيون آخرون “أن أي قرار يتعلق بسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها لا يمكن اتخاذه دون مشاركتها وموافقتها الكاملة.”
هذا، وأصدر قادة القوى الأوروبية الكبرى – بما في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر – بياناً مشتركاً بعد إيجاز من الرئيس ترامب. وبينما أشاد البيان بلفتة الرئيس الأمريكي لإشراكهم، فإنهم حاولوا يائسين تجديد سقوفهم العالية للتسوية. وجاء في البيان: “الأمر سيعود لأوكرانيا لاتخاذ القرارات بشأن أراضيها. يجب ألا تتغير الحدود الدولية بالقوة “.
وأكد القادة استعدادهم للمشاركة في تقديم “ضمانات أمنية متينة” لأوكرانيا، وهو مطلب أوكراني رئيسي، وأعلنوا عن اجتماع لـ”تحالف الراغبين” (أمس الأحد) للتباحث في خطوات تالية استباقاً لاجتماع اليوم (الاثنين) في واشنطن بين الرئيسين ترامب وزيلينسكي.
ومن موقع ضعف التأثير، بدا أن الأوروبيين يتبنون استراتيجية ملتبسة: تدعم المسار الدبلوماسي البراغماتي الذي تقوده واشنطن من جهة، مع تصلب المواقف حول مثاليات “القانون الدولي” و”مصالح أوكرانيا” – التي لا تعكس بأي حال الأوضاع على الأرض – من جهة أخرى.
اجتماع ترامب-زيلينسكي أصبح الآن المحطة الأكثر أهمية وترقباً. ويأتي هذا اللقاء في ظل سياق معقد، خاصة بعد نصيحة ترامب المباشرة لزيلينسكي في مقابلة تلفزيونية بـ “عقد صفقة”. ويخشى مراقبون من تكرار اللقاء المتوتر الذي جمع الرجلين في فبراير الماضي، والذي تعرض فيه الرئيس الأوكراني إلى إذلال علني من قبل ترامب ونائبه جي دي فانس، قبل أن يطلب إليه المغادرة من باب جانبي.
ولتجنب مثل هذا السيناريو، ذكرت مصادر دبلوماسية أن هناك خططاً قيد البحث لإرسال بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، للانضمام إلى الاجتماع في واشنطن. وتهدف هذه الخطوة إلى إظهار جبهة غربية موحدة، ودعم الموقف الأوكراني، والتأكد من أن أي مفاوضات مستقبلية تشمل الحلفاء الأوروبيين.
وفي المحصلة، يمكن القول إن قمة أنكوريج خرجت بنتيجة هي أقل من اتفاق لكنها حتماً كانت أكثر من مجرد بروتوكول ديبلوماسي، وأعادت وضع اللاعبين الأساسيين في الصراع، موسكو وواشنطن، وجهاً لوجه على طاولة البحث عن تسوية. وبرغم تباينات ما تزال موجودة في تحديد مساحة التوافق الممكن، ومواقف العواصم الأوروبية المتحفظة، فإن ما جرى فتح الباب أمام مقاربة أكثر براغماتية قد تخلق واقعاً جديداً يسمح للقوتين النوويتين الأعظم بتجاوز مأزق أوكرانيا، والانطلاق نحو تعاون أوسع في ملفات ديبلوماسية واقتصادية وأمنية وأخرى تتعلق بتقاسم موارد العالم بما يتخطى حدود النزاع الدموي القائم.
– لندن
2025-08-19