هل تعايُشْ الرسول مع اليهود كان من منطق التحالف السياسي؟
قراءة في وثيقة المدينة
علجية عيش*
صحيفة المدينة التي وضعها الرسول صلى الله عليه و سلم لأهل القبائل في شبه الجزيرة العربية وما تتضمنه من مبادئ ، دار حولها جدل كبير من قبل المختصين في علم الاجتماع السياسي ، بعد أن حاول الغرب تزييف الحقائق حول فكرة الدولة الدينية و الدولة المدنية، فوقع العلماء العرب في هذه المغالطات و نقلوها إلى الشباب دون تمحيص و تدقيق، و دون محاولة لتصحيحها ،كانت هناك دعوة إلى عقد مؤتمر عالمي يحضره مسلمون، يهود و نصارى من أهل الكتاب لفتح حوار معمق يناقشون فيه هذه الوثيقة و إزالة ما طبعها من زيف
تقول دراسات أن الرسول (صلعم) أقام الدولة الإسلامية على فكرة الوفاق الوطني و الرقابة الشعبية، فكانت دولة تعاقدية، كما أرسى ثقافة العدالة بين سكان المدينة من المسلمين و النصارى و اليهود، وطبق الديمقراطية من خلال الأخذ برأي الناس (الشورى)، جاء ذلك في صحيفة المدينة التي تعتبر أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، كُتبت فور هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة،
كانت الغاية من الأسس الدستورية التي وضعها الرسول في صحيفة المدينة تحقيق المواطنة الفعّالة حتى يتعايش الناس مع بعضهم البعض مهما اختلفت عقيدتهم، فقد كان الرّسول يسعى إلى حماية أهل “الذمّة” من الأقليات من غير المسلمين و يساوي بينهم و بين المسلمين، بحكم أن المواطنة وحدها تجمع شتات المجتمع و تجعل منه مجتمعا متكاملا، يقول منظرون أن الرسول (صلعم) كان أول من وجّه البشرية إلى فكرة المواطنة حتى يقطع الشكوك في وحدة الأمة، فكانت أول حكومة إسلامية انطلقت من المدينة، الأساس فيها التعاقد الاجتماعي .
أرادت وثيقة المدينة من المجتمع المدني أن يرتقي إلى مستوى الأمّة التي تجمع و لا تفرق و تحيي كذلك مقومات و قيم المواطنة على أساس احترام حقوق الإنسان و الحفاظ على الأمن و السلام، مما جعلها محل اهتمام المستشرقين ، حيث قاموا بتشويه مضمونها ، ولعل الواقع المعيشي الذي تعيشه الأمة الإسلامية هو سبب تشويه المستشرقين لصحيفة المدينة ، وهم محقون، لأنهم انطلقوا من الواقع ، فهناك من يحمّل العلماء المسلمين كل المسؤولية على ظهور ما يسمي “الإسلاموفوبيا ” بسبب خطابهم الديني الذي يرهب و لا يرغب ، و لأنهم أخلوا ببنود الصحيفة التي أسسها الرسول و تبنوا أفكارا غربية و طبقوها في نظمهم، فهذا الدكتور عبد الله طنطاوي كاتب وأديب سوري عن رابطة الوعي الإسلامي التي أسسها في حلب سنة 1955، إذ يرى أن البحث العلمي قام على قراءة نصوص الوثيقة من منظور استقرائي و استنتاجي و حوّل الحياة القبلية إلى الأمة.
فقد دارت نقاشات عديدة حول بعض المفاهيم الفقهية مثل “فقه العبارة و فقه المُعَبَّر عنه” ( أي تاريخ النص) و مفهوم “المسلم” بغية الوقوف على أسباب اختلاف المسلمين فيما بينهم و انقسامهم إلى ( سنة و شيعة و سلفية جهادية و قرآنيون و إلى مذاهب متعددة)، لدرجة ان حاول علماء الأزهر تصحيح أخطاء وقع فيها باحثين جزائريين في دراستهم للصحيفة، و قالوا أنهم ناقشوها من منظور غربي واعتبروا صحيفة المدينة التي وضعها الرسول ( ص) لم تكن دستورا نهائيا للدولة الإسلامية، لأن النبي صلى الله عليه و سلم تعامل مع اليهود من منطق التحالف السياسي، ثم تغيرت العلاقات بناءً على تطورات تاريخية، كانت هناك دعوة إلى مؤتمر عالمي يحضره مسلمون و يهود و نصارى من أهل الكتاب لفتح حوار معمق و هو ما ذهب إليه أحد الباحثين من فلسطين وهو الأستاذ ماضي من غزة عندما تحدث في بحثه عن الدستور لتأسيس دولة إسلامية، معتمدا على ما جاء في الوثيقة التي كما قال اعتمدت على أمور أدق من الدستور و هي القضايا المتعلقة بالأسرة و مدى أهميتها في تكوين الدولة في المواد ( 03 إلى 11 ) التي تكلمت عن العلاقات الأسرية في المجتمع المدني آنذاك.
2025-05-17
