✳️قراءة تحليلية: الحرب على إيران… والعين على العراق ولبنان ✳️
عبير بسام*
صحيح أن الحرب ابتدأت على إيران في 28 شباط/ فبراير 2026، ولكنها في حقيقة الامر كانت تعكس استمرارية الحرب التي ابتدأت على إيران في حزيران/ يونيو العام الماضي، فجميع المعطيات كانت تشي بأن الصهيوني لن يكتف بالضربات التي تحققت، وابتدأت نغمة تغيير النظام والخطر القادم من إيران وحروب قطع الرأس. مع العلم، أن الحروب التي تشن على منطقتنا تعمل دائماً باتجاه واحد “أمن اسرائيل”، تحضيراً لإستلامها إدارة المنطقة في المراحل المقبلة، ومن ثم تامين الخطط الإقتصادية الموضوعة وخطوط النقل والتي ترعى مصالح الشركات الكبرى ودولها.
من هذا المنطلق يمكن فهم ما يجري اليوم من حرب في المنطقة من خلال القراءة الجيوسياسية بأن الحرب هي أكبر من مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وإن أي تصعيد كبير سيؤدي إلى مواجهة عسكرية ضمن مفهوم وحدة الساحات، والذي لم يات عبثاً، وعلى رأسها ساحتي العراق ولبنان، وبالتالي صحيح أن الحرب على إيران ولكن العين الصهيونية، وهنا نجمل بهذا المفهوم كل من “إسرائيل” و”الولايات المتحدة”، على العراق ولبنان. وهدف الحرب لا يتوقف على تغيير النظام في إيران أو اضعافها أو تقويض نظاميها النووي والصاروخي، وإنما أيضاًهي تمهيد لحرب على العراق ولبنان.
وفي التحليل الاستراتيجي، ينظر الصهيوني اليوم إلى هذه الساحات الثلاث باعتبارها مجالاً مترابطاً للصراع والنفوذ، وليس مجرد ساحات منفصلة، وإن بعد “سقوط دمشق” في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وإيران لاعب إقليمي مؤثر في الشرق الأوسط بسبب كل من:
•برنامجها النووي الذي تعتبره الولايات المتحدة وإسرائيل تهديداً استراتيجياً.
•شبكة الحلفاء الإقليميين التي بنتها منذ عقود (لبنان، سوريا سابقاً، اليمن، والعراق)
•سيطرتها النسبية على مسارات ضغط جيوسياسي تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
•الإستياء الصهيوني من تقدم العلاقات إيجانياً مع المملكة العربية السعودية وبالتالي دول الخليج العربية بعد الإتفاق الذي عقد في الصين، وهذا فيه كلام كثير.
لماذا العراق في الحسابات
بداية ما شهدناه منذ بداية المعركة يؤكد هذا الكلام، فقد قصف العراق ثلاث مرات خلال اليوم الأول المترافق مع العدوان الأميركي- الإسرائيلي على إيران. فالعراق يعد جزءاً لا يتجزأ من مشروع “اسرائيل الكبرى”، ويشكّل عنصراً محورياً في المشهد الحالي، لا تكمن أهميته فقط في موقعه الجغرافي، بل أيضاً في كونه يشكل أحد أكبر احتياطات الطاقة في العالم، إضافة إلى امتلاكه موارد مائية استراتيجية متمثلة بنهري دجلة والفرات. ومن هنا فإن السيطرة السياسية أو العسكرية على العراق تعني امتلاك ورقة ضغط كبرى في معادلات الطاقة والمياه في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر الاهتمام الاستثنائي الذي توليه الولايات المتحدة وإسرائيل بمستقبل هذا البلد. كما أن هناك أسباب جوهرية عدة منها:
1-موقعه الجغرافي، فهو يعد الجسر البري بين إيران وشرق المتوسط، ويعد عقدة طاقوية هامة لمشروع الربط الكهربائي القادم من دول الخليج باتجاه الشام وفلسطين وتركيا، والذي يتطلب عراقاً موالياً بشكل نهائي للقرارات الصهيونية والأميركية. ويعد الجسر الجغرافي الأهم، اذ يتوسط العقدة ما بين الأردن ودول الخليج العربي وإيران، وبالتالي فالقواعد الأميركية تقع تحت مرمى صواريخه القصيرة والمتوسطة المدى.
2-التوازن السياسي الداخلي، فكما تضم الدولة العراقية قوى سياسية وعسكرية قريبة من إيران فهي تضم أخرى أقرب إلى الولايات المتحدة ومنها قوات البشمركة الكردية، والتي كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب قد طالبها بالتحرك ضد إيران ثم تراجع عن ذلك. تراجع ترامب عن ذلك لم يكن نزاهة، بل هو لربما تقدير موقف يتضمن إحتمالية دخول هذه القوات في حرب عراقية أهلية تهدف إلى إضعاف العراق داخلياً تمهيداً لإنهيار الدولة بشكل نهائي.
3-وجود قواعد عسكرية للقوات الأمريكية في العراق مما يجعل البلد ساحة محتملة للضغط المتبادل إذا اندلعت حرب واسعة. وبالتالي يُنظر إلى العراق كمسرح احتكاك غير مباشر في حال توسع الصراع، وقد ثبت ذلك.
4-وجود قوات رديفة للجيش العراقي في العراق، كقوة مقاومة معادية للكيان ذات قيادة مستقلة ومنها الحشد الشعبي بجميع كتائبه والتي قاتل البعض منها في سوريا، ويعرف الأرض جيداً، وأولها حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.
5-إذا اندلعت حرب إقليمية واسعة بين إيران وإسرائيل مع احتمال تدخل الولايات المتحدة، فإن العراق لن يكون مجرد ساحة جانبية، بل عقدة استراتيجية في مسرح العمليات. والذي تمتلك القوى غير النظامية الموجودة فيه القدرة على التأثير في ثلاثة مستويات: الضغط العسكري، تعطيل القواعد الأجنبية، وفتح ممرات الدعم الإقليمي.
لبنان كساحة ردع متقدم
أما لبنان فيدخل في الحسابات الاستراتيجية بسبب دور حزب الله في ردع العدو الصهيوني منذ العام 2000 وحتى العام 2023. وخلال الست والعشرين عاماً السابقة حاول الكيان القضاء على القوة المقاومة في حزب الله، والتي كبرت بسبب دخول أعداد متزايدة من المقاومين، وإعادة تسليحها تحضيراً للحرب الكبرى، خاصة بعد الإنتصار الكبير الذي حققته المقاومة في العام 2006، وإن كان ضمن إمكانيات تسليحية تعد محدودة جداً مقارنة بمقدرات الكيان.
بعد اتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، استمر الكيان بخرق الإتفاق، السبب الأساس الذي مكنه من استمرار الخرق هو الدعم المطلق الذي منحته إيّاه أميركا، والسبب الثاني، تراجع دور أوروبا المنهكة بسبب تعاظم عجزها الإقتصادي، وهو من أكبر تداعيات الحرب الروسية- الأميركية في أوكرانيا، وهو هدف أميركي من أجل إنهاء الدور الأوروبي في العالم. ومما يمكننا أن ندرجه كمثال هام هنا أن فرنسا ماكرون ليست فرنسا ميتران في زمن الإتحاد السوفييتي، او فرنسا جاك شيراك ما بعد سقوطه. مع العلم أن الجميع يسعى لحماية مصالح الكيان، ولكن على الأقل كان هناك تعدد وجهات نظر بكيفية حمايته، وليس عبر منحه القوة المطلقة.
السبب الثالث وراء استمرار الخرق، هو محاولة كشف حجم قوة المقاومة بعد الضربات المتتالية التي تعرضت لها ومدى تأثير الحصار الداخلي والخارجي الذي تتعرض خاصة بعد “سقوط دمشق”. وهذا العامل الأخير يريد الكيان فعلياً قياس مدى فعاليته في تقويض حزب الله، وفي هذا الإطار جاء القصف الوحشي الذي تعرضت له الضاحية. ضرب الضاحية خلال الحرب الحالية ليس ردة فعل على صواريخ ستة أطلقت في العراء في فلسطين المحتلة، بل هو سبب غير مباشر لبدء الحرب في لبنان، مع التحضيرات التي شهدتها الحدود الجنوبية مع فلسطين من تحشيد صهيوني لمئة ألف من جنوده. والصواريخ الستة في تقييم أثرها يشبه تماماً تأثير خطف الجنود الثلاثة في العام 2006، والذي استخدم لشن حرب أو اجتياح على لبنان كان يراد له أن يكون شبيهاً باجتياح 1982، والوصول إلى دمشق وإسقاطها.
يعتبر السبب الثالث، يعتبر العامل الأهم في إعادة إحياء معادلة ردع إسرائيل، والتي تقوم على عدة عناصر:
•قدرة صاروخية كبيرة داخل لبنان.
•جبهة شمالية محتملة ضد إسرائيل.
•وربط الحرب الكبرى الصهيونية مع إيران بإمكانية إعادة فتح جبهة لبنانية.
في الحقيقة أنه وبحسب ما سبق فإن الحاجة الصهيونية لإعادة فتح جبهة لبنان هي بقدر الحاجة اللبنانية لإعادة تحقيق الردع. فالحاجة الصهيونية خطوة أساسية نحو تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” وبسط سيطرتها حتى العراق وخاصة على موارد دجلة والفرات، اذا استثنينا الثروات الطبيعية والسيطرة على إدارتها وإدارة الممرين الهندي وممر داوود الواصل إليه. وأما الحاجة اللبنانية المقاومة، فهي من أجل إحباط تحقيق معادلة ردع تحمي الجنوبيين في أراضيهم وتوفر لهم الأمن والإستقرار ويمنع انتصارها المطلق في المعركة تحقيق مصيبة “اسرائيل الكبرى”.
وبالتالي فإن ما شهدناه من قصف “اسرائيلي”، وليس أميركي، وهنا فرق كبير يجعلنا نعتقد جازمين بالخطط الأميركية، وليس فقط خطط إدارة ترامب، فهي خطط نظام عميق يسعى نحو دفع “اسرائيل” لتصبح قبطان المنطقة على مختلف الصعد، وبالتالي نحن نواجه استعماراً ل تقسيمياً فقط، بل توسع استعمار استيطاني جديد لدولة الكيان يتجاوز حدود الجولان وسوريا ليصل إلى العراق. لكن العائق الحقيقي أمامه، صدقوا او لا تصدقوا، هو جنوب لبنان، والذي لا يمكن إلا بالقضاء على قوته المقاومة منذ العام 1936 والداعمة لفلسطين، ولهذا نشهد مؤامرات “الدنيا عليه” كما يقال، في داخل وخارج لبنان.
وبالتالي، فإذا كنت الحرب على إيران والعين على العراق ولبنان، فلأن ذلك يعد فكرة أساسية في سياق الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، اذ اتضح أن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستتفاعل تلقائيًا مع شبكة التوازنات الممتدة من اليمن إلى الخليج إلى شرق المتوسط. ولهذا فإن القوى الدولية والإقليمية غالباً ما تحسب تداعيات تأثيرها في العراق ولبنان قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالتصعيد ضد إيران، لأن قي الدولتين حلفاء أقوياء لها. صحيح أن سيشكل لبنان عنصر المواجهة مع الكيان، ولكن العراق يحسب له الحساب لأنه سيلعب ورقة الضعط الكبرى على الولايات المتحدة، من خلال الهجومات الداعمة في أي حرب على إيران في ضرب القواعد الأميركية فيه، ولهذا السبب ابتدأت الضربات الإستباقية على العراق ومن ثم تبعتها على الجنوب والضاحية. وأخيراً، لقد أثبتت جبهة المقاومة على أنها إذا ما وحدت الجهود في أرض المعركة تحديداً فإنها قادرة بالصمود والصبر على تحقيق انتصار على أكبر محور للشر عرفته البشرية منذ بدء التاريخ وحتى اليوم.
ـ عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
2026-03-17