لقد قطع حزب الله مسافة كبيرة على طريق النهج الوطني القومي العربي. يتراءى لي أن ناهض حتر، الماركسي المتعمق في دراسة الديانة الإسلامية، كاد أن يقول أن حزب الله قطع مسافة معتبرة نحو «التشيُّع» بالمفهوم السياسي ـ الإجتماعي.
وفي هذا السياق يورد الكاتب، من صلب خطب السيد حسن نصرالله دلالات دقيقة على التحولات التي داخلت تدريجياً، هذه الأخيرة.
يفهم من فحوى دراسة ناهض حتر أن حزب الله اليوم ليس الحزب الذي اصطدم في الثمانينيات بالشيوعين اللبنانيين، على افتراض انه كان طرفاً في هذا الإصطدام، وهذا ليس ثابتاً الآن.
ولكن هذه حكاية أخرى. هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فإن ناهض حتر يظن أنه من الصعب، أن نتخيل اليوم حزب الله مشاركاً الرجعية في حرب كمثل حرب البوسنة إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، من أجل تفكيك يوغوسلافيا، وتحجيم دولة الصرب لأنها ترفض الهيمنة الامبريالية .
وفي السياق نفسه يمكننا القول أنه ليس محتملاً ان نشهد من جديد علاقة تربط حزب الله، تشبه تلك التي كانت قائمة بينه وبين الرئيس رفيق الحريري على سبيل المثال، لجهة التبعية لآل سعود.
فهزيمة آل سعود صارت في أدبيات حزب الله «شرطاً لازماً من أجل هزيمة المشروع الأميركي ـ الصهيوني» ومن أجل كفاح الفساد والتخلف والتكفير! تجدر الملاحظة هنا أن لآل سعود أتباعاً كثيرين ! يتساءل ناهض حتر عما إذا كان الحسين بن علي هو غيفارا شيعي ؟ المسألة تتلخص بمناهضة الصهيونية والامبريالية الأميركية والرجعية العربية ومن ضمنها الرجعية في لبنان ولكن هل يسيطيع أنصار الحزب خوض مثل هذا التحدي، هل يملك الحزب الجرأة على فتح أبواب التثقيف والتوعية ؟
تتوجب الإشارة أيضاً إلى أن المراجعة النقدية، أو السيرورة المستمرة التي دشنها السيد حسن نصرالله والتي تحاكي إلى حد ما المراجعة النقدية، تناولت المسألة العراقية والحرب التي كانت الغاية منها تدمير الدولة العراقية وليس إصلاحها بالإضافة إلى تفكيك الجيش العراقي .
اتضح ذلك من خلال المطابقة البديهية بين هذه الحرب من جهة وبين مثيلاتها التي تتعرض لها سورية من جهة ثانية، بقصد تفكيك الجيش العربي السوري .
تغطت الحرب في العراق بمعارضة طائفية شيعية، أما في سورية فلقد وفرت وسائل التموية للحرب معارضة طائفية سنية .
يقول ناهض حتر أن هذا كله مرده إلى اكتمال تجربة حزب الله في مقاومة احتلال المستعمرين الإسرائيليين بحرب التحرير الوطني التي يخوضها إلى جانب الجيش العربي السوري وفصائل الحركة الوطنية السورية.
بمعنى آخر كانت سورية المدرسة التي اكتشف فيها الحزب الفرق الجوهري بين مقاومة المستعمر دفاعاً عن منطقة وعن عشائرها وأقوامها من جهة وبين حرب التحرير الوطنية، دفاعاً عن وطن وعن استقلاله، عن قوانين تعايش جميع مكوناته الإجتماعية، الإثنية والعقائدية والدينية دون تمييز بينها يتسبب بظهور ثغرات يتسلل منها المستعمرون من جهة ثانية.
ينجم عنه أن حرب التحرير الوطني تتطلب وعياً وفكراً وبرنامجاً وطنياً يضطلع في تنفيذه أوسع تحالف وطني إجتماعي .
خلاصة القول أن حزب الله الشيعي يدافع عن الوطن السوري تحت راية الدولة السورية العلمانية التي من المفترض أنها لا تفرق بين سوري وسوري على أساس الدين والعرق والعقيدة.
يقاتل حزب الله في سورية، وفي طول الهلال الخصيب وعرضه، وصولاً إلى اليمن، ضد الحركات التي «تسيّس» الديانة الإسلامية خدمة لأطماع العثمانية الجديدة، وضد الرجعية الخليجية تحت قيادة آل سعود وضد المستعمرين بزعامة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وضد أصحاب التطبيع الناشطين من أجل الوطن البديل.
من البديهي أنه سيكون لإقتباسات حزب الله من تجربة حرب التحرير الوطنية في سورية، تحت قيادة دولتها العلمانية، تأثير على أدائه السياسي في لبنان، تحديداً في مجال العمل الوطني الجبهوي الذي يلغي الحدود المذهبية والطائفية بين الناس.
وإذا كانت حرب التحرير الوطني مدرسة في الوطنية، ففي ميادينها يتلقى المناضل الوطني أيضاً التهذيب وحسن الأخلاق على قاعدة « ان الناس صنفان : اما أخ لك في الدين وأما نظير لك في الإنسانية ».