قائمة البديل المشاركة في الانتخابات العراقية القادمة: بديل عن الواقع المؤلم للعراق!
بقلم البروفيسور وليد الحيالي*
مقدمة:
منذ سقوط النظام السابق عام 2003، دخل العراق في دوامة سياسية واجتماعية واقتصادية لم تفلح الحكومات المتعاقبة في إخراجه منها. هيمنة المحاصصة الطائفية، الفساد المالي والإداري، التبعية للخارج، وانهيار الخدمات الأساسية جعلت المواطن العراقي يفقد الثقة في العملية السياسية برمتها. وفي كل دورة انتخابية تتكاثر القوائم والشعارات، غير أن معظمها سرعان ما يتبخر أمام واقع النفوذ السياسي والمالي للأحزاب الكبيرة.
في خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز قائمة البديل في الانتخابات القادمة كخيار مختلف، تسعى لأن تكون البديل الحقيقي عن الواقع المؤلم، وأن تضع حجر الأساس لمشروع وطني جامع يتجاوز الانقسامات. فما هي دلالات هذا الاسم؟ وما الشعارات التي ترفعها؟ ومن هم الرموز الوطنية التي تمثلها؟ وما فرص نجاحها في كسر الحلقة المفرغة؟
أولاً: دلالة الاسم “البديل”
الأسماء السياسية ليست مجرد مفردات، بل رسائل موجهة إلى وجدان الناخب. حين تختار قائمة ما أن تسمي نفسها البديل، فهي تحمل ضمنياً إدانة شاملة للواقع القائم، وتطرح نفسها كخيار مغاير عن:
• بديل عن المحاصصة الطائفية التي شلّت الدولة.
• بديل عن الفساد الذي التهم موارد العراق.
• بديل عن التبعية للخارج التي أنهكت القرار الوطني.
• بديل عن الوعود الكاذبة التي اعتاد الناس سماعها في كل دورة انتخابية.
البديل، بهذا المعنى، ليس مجرد قائمة انتخابية عابرة، بل مشروع لإعادة تعريف السياسة العراقية على أساس المواطنة والعدالة الاجتماعية.
ثانياً: الشعارات بين الطموح والواقعية
ترفع قائمة البديل مجموعة من الشعارات التي تنسجم مع طموحات العراقيين في التغيير، أبرزها:
1. العراق أولاً: تأكيد واضح على أولوية الهوية الوطنية الجامعة فوق كل الولاءات الفرعية.
2. العدالة الاجتماعية: معالجة الفوارق الطبقية التي تفاقمت بسبب الاقتصاد الريعي وتوزيع الثروة غير العادل.
3. الإصلاح السياسي: تفكيك منظومة المحاصصة الطائفية التي أثبتت فشلها، وبناء دولة المواطنة.
4. الاستقلالية الوطنية: تحصين القرار العراقي من الضغوط الإقليمية والدولية.
5. محاربة الفساد: تفعيل مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة قادرة على ملاحقة ملفات الفساد الكبرى.
لكن السؤال الجوهري: هل ستبقى هذه الشعارات مجرد وعود كما حصل مع قوائم سابقة، أم ستتحول إلى برنامج سياسي عملي؟
ثالثاً: الرموز الوطنية الممثلة للقائمة
تكمن قوة قائمة البديل في شخصياتها الممثلة. فهي تضم نخبة من الأكاديميين والمثقفين والكفاءات المهنية التي لم تتلوث بملفات فساد أو تبعية. بعضهم عرف بتاريخ نضالي ضد الاستبداد، وبعضهم نشأ في أجواء العمل المدني والنقابي.
وجود هذه الرموز يمنح القائمة شرعية أخلاقية ويدفع الناخب إلى النظر إليها بعين الثقة، بخلاف الكثير من القوائم التي امتلأت بوجوه متكررة، أو بشخصيات ارتبط اسمها بمصالح ضيقة.
رابعاً: دروس من التاريخ الانتخابي العراقي
الانتخابات السابقة شهدت ظهور قوائم رفعت شعارات مشابهة:
• القائمة العراقية (2010) بقيادة إياد علاوي رفعت شعار “العراقية أولاً” وتمكنت من حصد أكبر عدد من المقاعد، لكنها لم تستطع تشكيل الحكومة بسبب صفقات الكتل الطائفية.
• تيار الصدر (2018) طرح نفسه كممثل لمشروع وطني عابر للطائفية، وحاز على المرتبة الأولى، لكن تحالفاته اللاحقة أعادت إنتاج المحاصصة.
• حراك تشرين (2021) الذي أنتج “حركة امتداد” وغيرها من القوائم، جاء مدفوعاً بدماء الشهداء ومطالب الشباب، لكنه اصطدم بضعف الإمكانات وبتشرذم القوى المدنية، فانتهى دوره إلى الهامش.
هذه التجارب تكشف أن رفع الشعارات الوطنية وحده لا يكفي، بل المطلوب هو قدرة تنظيمية مؤسسية، وشبكة تحالفات ذكية، وإصرار على عدم الانخراط في لعبة المحاصصة مهما كانت الضغوط.
خامساً: موقع البديل في الخارطة السياسية
تسعى قائمة البديل إلى التموضع كصوت مستقل عن الاستقطاب الثنائي (الشيعي – السني – الكردي). فهي تراهن على الطبقة الوسطى، على الشباب الذين خرجوا في احتجاجات تشرين، وعلى الناخب الصامت الذي قاطع الانتخابات السابقة بسبب فقدان الثقة.
بذلك، قد تتحول قائمة البديل إلى خيار جاذب لأولئك الذين لا يرون أنفسهم في أي من القوائم التقليدية. غير أن هذا الرهان يتوقف على مدى نجاحها في كسر الحاجز النفسي الذي بناه المواطن ضد صناديق الاقتراع.
سادساً: التحديات أمام قائمة البديل
1. المال السياسي والسلاح المنفلت: القوى التقليدية تمتلك أدوات ضغط لا تتوفر للبديل.
2. عزوف الناخبين: نسبة المشاركة المنخفضة تجعل من الصعب على القوائم الجديدة حصد مقاعد مؤثرة.
3. التشكيك الإعلامي: من المتوقع أن تتعرض القائمة لحملات تشويه واتهامات لضرب مصداقيتها.
4. ضغط التحالفات: في مرحلة تشكيل الحكومة، ستتعرض لضغوط للانخراط في المحاصصة أو الاصطفافات الإقليمية.
سابعاً: تميز البديل
رغم التحديات، يمكن القول إن قائمة البديل تتميز عن غيرها بما يلي:
• وضوح خطابها الوطني: لا لبس في شعار “العراق أولاً”.
• نزاهة رموزها: غياب ملفات الفساد يمنحها ثقة أكبر.
• رهانها على الشباب: إشراك الطاقات الشابة في صنع القرار.
• رؤية إصلاحية شاملة: تتجاوز حدود الاقتصاد أو السياسة لتطال بناء هوية وطنية جامعة.
خاتمة
إن ولادة قائمة البديل ليست حدثاً انتخابياً عادياً، بل تمثل اختباراً لمدى استعداد العراقيين لطي صفحة الماضي والانطلاق نحو مشروع وطني حقيقي. فالقائمة، بما تحمله من رموز وشعارات، تقدم نفسها كبديل عن واقع مرير عانى منه العراق لعقود. غير أن نجاحها لا يعتمد فقط على أصوات الناخبين، بل على قدرتها في أن تتحول إلى حركة سياسية راسخة، لا تنحني أمام الضغوط، ولا تنجر إلى صفقات تقوض مبادئها.
قد لا تحصد قائمة البديل الأغلبية من أول دورة، لكنها قادرة على إحداث اختراق نوعي في المشهد السياسي، وفتح نافذة أمل أمام شعب أنهكته الحروب والانقسامات. العراق بحاجة إلى بديل، والبديل الحقيقي هو ذاك الذي يترجم الشعارات إلى سياسات، ويضع الإنسان العراقي في قلب العملية السياسية
المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب
2025-09-28