في ذكري 19 مارس 1962 .. ديغول و مشروع الإستعمار الجديد!
علجية عيش*
(تظاهرة 17 أكتوبر 1961 أجبرت ديغول على التفاوض و الإعتراف بجبهة التحرير)
سعى الجنرال ديغول منذ مجيئه إلى الجزائر، إلى خلق “قوّة ثالثة” قبل الإعلان عن توقيف القتال في 19 مارس 1962 و هيأ لها كل الشروط لتشكيلها و تجنيد عناصرها و دعمهم بكل الوسائل لإنجاح ما سمّاه بالاستعمار الجديد و هذا من أجل بقاء فرنسا إدارة و ثقافة و تكريس حضورها بقوة داخل الإدارة الجزائرية، كان ذلك عن طريق التفاوض مع جبهة التحرير الوطني و عن طريق ضبط اتفاقيات معها لضمان الشروط المساعدة لخلق القوة الثالثة داخل صفوفها يكون مآلها: إما تغيير البينية الاجتماعية و الفكرية للجبهة و تحويلها إلى قوة ثالثة، و إما أن تنفصل هذه القوة عن الجبهة في حالة ما إذا تغلبت هذه القوة عن العناصر الثورية، و بالتالي تصبح القوة الثالثة بعد انفصالها عن الجبهة هي الأداة الجزائرية للاستعمار الحديث
كانت هذه شهادات من مؤرخين و مجاهدين قدموا فيها حقائق تاريخية و شَخَّصوا فيها الوضع في الجزائر و ظروف توقيف القتال، هي عبارة عن تحليل تاريخي سياسي للكشف عن سياسة الجنرال ديغول الذي سعى إلى خلق “قوّة ثالثة”، و الطريقة التي تمت بها توقيع اتفاقيات إيفيان، فقد كانت هذه الأخيرة ( اتفاقيات إيفيان) في جانبها العملي بمثابة الإدارة النظرية التي صنعها الإستعمار الحديث بواسطة القوة الثالثة كي يضمن بها مصالحه، حيث تم توقيعها يوم 18 مارس 1962، أي قبل الإعلان عن وقف النار في 19 مارس 1962 ، و تضمنت اتفاقيات إيفيان بعض الضمانات للأقلية الأوروبية، تسمح لها بالاستقرار كأٌقلية و لها امتيازات خاصة منهم انخراطهم في المجالس المنتخبة و في الوظيف العمومي، و يكون لهم قانونهم الخاص يطبق في المحاكم الجزائرية مع احترام حقوقهم في الملكية، دون تعرضهم لأي إجراء من شأنه أن ينزعها منهم.
يقول المجاهد و المؤرخ محمد الميلي أنه هذه الضمانات التي أعطيت للأقلية الأوروبية تجعل منها “طابورا خامسا” للاستعمار الحديث و تكون مبررا لتدخله الدائم في شؤون الجزائر المستقلة، فمهمة القوة الثالثة هي أن تكون عينا لمسيري الإستعمار الحديث في باريس لاطلاعهم على كل ما يحدث في الجزائر و بخاصة المدن الكبرى ( مدينة الجزائر وهران و قسنطينة) بوصفها أكبر المدن يتواجد فيها الأوروبيون، ولدعم القوة الثالثة تم إنشاء ما يسمى بـ: “الهيئة التنفيذية المؤقتة” و هي بمثابة حكومة مؤقتة تتولى شؤون الجزائر خلال المرحلة الانتقالية، و هذه المرحلة تفصل بين وقف القتال الذي دخل حيز التنفيذ ابتداءً من منتصف نهار 19 مارس 1962 و بين إجراء الاستفتاء و إعطاء السلطات الفرنسية الحق في ممارسة جميع الصلاحيات، أما “القوة المحلية” فهي قوة عسكرية أو بالأحرى جيش جزائري يحول مباشرة من الجيش الفرنسي مهمته الإشراف على الأمن طيلة المرحلة الانتقالية.
كما نصت اتفاقيات إيفيان على احتفاظ الحكومة الفرنسية على قاعدة مرسى الكبير و عدد من المطارات العسكرية، و بقاء عدد من الجيش الفرنسي، كان عددهم في تلك الفترة حوالي 80 ألف جندي فرنسي، و هذا ما يؤكد على وجود مخطط استعماري حديث، يَحُدُّ من حرية تحرك الدولة الجزائرية الناشئة و تهديد مستمر للسيادة الجزائرية، هذا التحليل يعني أن فرنسا لم تخرج من الجزائر بل حافظت على بقائها عن طريق اتفاقات إيفيان، و فرضت سلطتها اقتصاديا عن طريق حرية انتقال و تحويل الأموال بين الجزائر و فرنسا، أما عن قضية التعويضات، فقد كانت تُحَوَّلُ سوى للفئات التي كانت أكثر احتكاكا بالإدارة الفرنسية و التي كانت تنتمي للقوة الثالث، و في تحليله للسياسة الديغولية، يقول محمد الميلي أن فرنسا لم تقرأ حسابها بأنه يوما ما تنقلب الأقلية الأوروبية على الوضع و تعلن عن رفضها لاستقلال الجزائر، حيث وقعت أعمال إرهابية بطابع دموي خلال الفترة بين وقف القتال و بين الاستفتاء، و رغم الظروف الصعبة فقد تحرك جيش التحرير الوطني الذي كان يمثل القوة الأساسية للثورة، و استطاع كيف يُمِيُل أو يستقطبُ بعض من عناصر القوة المحلية إلى صفه و اكتساب صفة الانتماء إليه و لو في الساعة الأخيرة، و الجدير بالإشارة أن اتفاقيات إيفيان مكنت من استمرار العلاقة بين الجزائر و فرنسا و الحفاظ عليها لاسيما في الجانب الإقتصادي، بما فيها ميدان المحروقات.
شهادات أخري يقول اصحابها أن ديغول كان يبحث عن طرق يصل بها إلى “الهدنة” ، كما جاء على لسان ممثله ” لومبيدو” في لقاء لوسان المنعقد في 20 فيفري 1961 من أجل أن يحقق حلمه في فصل الصحراء عن الجزائر، و هو المقترح الذي رفضته الحكومة المؤقتة، و هنا أجبر ديغول على المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني، غير انه أبقى تحفظه على قضية الصحراء، لأنه كان يدرك أن الدول المجاورة ستؤيده ، خاصة المغرب ، التي كانت تطالب بتندوف ( أيام محمد الخامس) ، و بورقيبة كان يطالب بعلامة الكلم رقم 233، و هي منطقة نفطية تقع غرب غدامس، و أمام إحساسه بالفشل أعلن ديغول في خطاب له في سبتمبر 1959 عن مشروع جديد سمي بـ: “تقرير المصير” من أجل أن يكسب الرأي العام الدولي و المحلي لصفه و تبرير هزيمته العسكرية أمام جيش التحرير الوطني، لكن رد الثورة كان عنيفا، فقد عبرت الحكومة المؤقتة عن استعدادها للدخول في محادثات مع الحكومة الفرنسية لبحث الشروط السياسية و العسكرية لوقف القتال، و بحث شروط و ضمانات تقرير المصير، و أن يقول الشعب كلمته بعيدا عن أيّ تهديد، مع سحب الجيش الفرنسي من الجزائر، و أكدت على رفضها لمشروع التهدئة الذي جاء به ديغول، بعدما كشفت مناوراته أمام القارات الخمس، و التي من خلالها كسبت تأييد عالمي للقضية الجزائرية، لم يكن لديغول خيار آخر سوى الذهاب إلى “المفاوضات” بعدما وجد نفسه وحيدا يواجه المعمرين المتواجدين بالجزائر الذين أصروا على البقاء ، فكانت مهمته إقناعهم بوجوب التفاوض مع جبهة التحرير الوطني لإيجاد مخرج لفرنسا من الحرب التي كلفتها خسائر مادية و بشرية فادحة.
لولا تظاهرة 17 أكتوبر 1961 لما اعترف ديغول بجبهة التحرير الوطني
ففي شهادة المجاهد عبد الحميد ابراهيمي في مذكراته التي جاءت تحت عنوان: ” في أصل المأساة الجزائرية ” أن ديغول كان مقتنعا بالمجيء الحتمي للإستقلال السياسي للجزائر، و الحقيقة لولا تظاهرة 17 أكتوبر 1961 لما اعترف ديغول أن الحل يكون سياسي و ليس عسكري، حيث أجبر على الإعتراف بجبهة التحرير الوطني، كما أجبر على التفاوض معها، حيث جاءت مفاوضات إيفيان التي أنهت الإستعمار و اتفاق الجانبان على توقيف القتال، اقتنع الفرنسيون بأن الأساليب القمعية التي مارسوها في حق الشعب الجزائري لم تستطع إيقاف الثورة عن مسارها من أجل تحقيق النصر، حيث لجأ ديغول إلى المفاوضات، فيما عرف باتفاقيات إيفيان لوقف إطلاق النار و تقرير المصير، كانت مهمة ديغول هي إقناع المعمرين بوجوب التفاوض مع قادة جبهة التحرير الوطني لإيجاد مخرج لفرنسا من الحرب التي كلفتها خسائر مادية و بشرية، و القبول بالحل السياسي، لقد لجأت فرنسا إلى التفاوض ، دون أن تتطرق إلى قضية الصحراء، و كأنها أرض فرنسية، لكن هذه المفاوضات التي كانت من المفروض أن تتم في إيفيان تجلت أكثر من مرة لأسباب عديدة منها انقلاب الجنرالات الفرنسيين المتطرفين على الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول و الإطاحة به و منهم الجنرال سالان، جوهو و الجنرال شال، كما أن تأجيلها كان بسبب رفض الطرف الجزائري التفاوض بشان المبادئ التي جاء بها بيان أول نوفمبر 1954 ، مما دفع رئيس الوفد الفرنسي لويس جوكس إلى وقف المفاوضات في 13 جوان 1961، و لاستئنافها تم اختيار مدينة لوقران lugrin ، دون التوصل إلى أيّة نتيجة، و كان الطرف الجزائري هو الذي أصر على إيقافها بسبب إصرار الحكومة الفرنسية على عدم الاعتراف بالسيادة الجزائرية على الصحراء، إلى أن اعترفت فرنسا بهذا الحق في خطاب ألقاه ديغول يوم 05 سبتمبر 1961 اعترف فيه بسيادة الجزائر على صحرائها، فكان اللقاء الثالث بمدينة بال السويسرية.
و رغم الخلافات التي نشبت بين قادة الثورة في الداخل و الخارج، غير أن المفاوضات استمرت بعد موافقة المجلس الوطني للثورة الجزائرية فيما عرفت بمفاوضات إيفيان الثانية ، حضرها كريم بلقاسم، سعد دحلب، محمد الصديق بن يحي، الأخضر بن طوبال ، عمار بن عودة، رضا مالك و الصغير مصطفاي، و التقى الجميع بالوفد الفرنسي الذي كان يمثله لويس جوكس الجنرال دوكاماس و آخرون، و توج اللقاء بتوقيع اتفاقيات يوم 19 مارس 1962 و توقيف إطلاق النار، و تنظيم استفتاء تقرير المصير، لقد تمكنت الثورة الجزائرية من تحقيق انتصارات دبلوماسية هامة، حيث ساندت العديد من الدول حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، و أصبحت القضية الجزائرية تناقش على مستوى جمعية الأمم المتحدة، أما الحكومة الفرنسية برئاسة الجنرال ديغول، فأصبحت تتخبط و تبحث عن كيفية التخلص من مشكل حرب الجزائر بأقل الخسائر، فالمفاوضات بين الحكومة الفرنسية و قيادة الثورة الجزائرية كانت تتعثر أحيانا، و كانت الحكومة الفرنسية تختبر مواقف الحكومة الجزائرية المؤقتة و تبحث عن مخرج يحفظ فرنسا مصالحها بعد منح الجزائر استقلالها، حيث بدأت المساومات، بمنح الجزائر حق الحكم الذاتي مع الاحتفاظ ببعض المناطق تحت السلطة الفرنسية، لكن صمود الثورة و إصرار قيادتها على تحقيق هدف الاستقلال التام، و لتحقيق ذلك جاءت خطة تشجيع الضباط الجزائريين الذين كانوا في صفوف الجيش الفرنسي على الفرار المموه منه و الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني قصد اختراق صفوفه و التأثير في توجيه نفوذه في إطار الخطة الفرنسية، و هي في الحقيقة خطة وضعها ديغول للحفاظ على المصالح الفرنسية.
و الواقع أن ممارسات فرنسا الإستعمارية و خططها الجهنمية، استمرت، حيث حوّلت فرنسا الجزائر إلى بلد منتج للخمور، حسب التقرير كانت الخمور تمثل 26 بالمائة من نسبة الصادرات الجزائرية نحو فرنسا، و كانت الخمور في الجزائر تأتي في المرتبة الثانية بعد البترول، و في جانفي 1964 طلبت فرنسا من الجزائر تخفيض نسبة كميات الخمر الجزائرية المصدرة لها بنصف مليون هكتولتر كل سنة، إلا أنها حافظت على الاستمرار في استيراد البترول من الجزائر، و أبرم في هذا الشأن اتفاق في صيف 1965 لاستغلال المحروقات الجزائرية و البحث عن البترول في الجزائر لمدة 15 سنة في إطار التعاون الفرنسي الجزائري، لكن هذا الاتفاق لم يستمر، حيث أصبح بعد ذلك عامل توتر و صدام خلق أزمة بترولية بين الجزائر وفرنسا، انفجرت عندما تفطنت الجزائر بأن استغلال فرنسا للمحروقات و تمركزها في حقول الجزائر البترولية يساعد في تحقيق الرفاهية الفرنسية، فبدأت تتحرك لتخليص قطاع المحروقات من الهيمنة الفرنسية و حماية أمنها الإقتصادي.
ورقة علجية عيش الجزائر
2025-03-20
