كلمات*
.. في القضاء المغربي وإلى القيمين عليه .
————
سعيد .. زينو .. التهامي .. الأنوميا و سؤال الجدية .
أحمد ويحمان
مع أننا توقفنا عند ” الأنوميا “عدة مرات في كلمات سابقة، إلا أن الواجب يقضي توقفا آخر هنا أيضا من باب ” فذكر إن نفعت الذكرى ” .
الأنومــيا = Anomie؛ هو مصطلح استعاره عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم من الفيلسوف الفرنسي جون ماري غويو سنة 1897 لدى دراسته لظاهرة ” الانتحار ” كظاهرة اجتماعية في كتابه الشهير الذي حمل نفس عنوان الظاهرة = le suicide .
وتعني الأنوميا في العلوم الاجتمــاعية : “حالة عدم الإستقرار”، أو حالة الاضطراب والقلق لدى الناس النـاجمة عن انهيار المعايير والأخلاق والقيم الإجتمـاعية، .. وتتجلى حالة الأنوميا في وضع التفكك التنظيمي لمؤسسات المجتمع وضياع المعايير واتساع الهوة بين الأهداف الاجتماعية والثقافية المعلنة والوسائل الحقيقية المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف … وكذا التناقض المفارق بين ما يتم ترويجه من سياسات وخطابات رسمية وبين ما يتم تطبيقه على أرض الواقع . مما يترتب عنه وضع يشعر الناس فيه بسيادة العبث و انعدام الجدية وبالتيه كمزاج نفسي عام، بجملة؛ تفكك النظم وسيادة التسيب .
ومن مظاهر انهيار المعايير التي تميز حالة الأنوميا في المجتمعات المصابة بها واحدة من ميزات ” الدول الفاشلة “؛ سقوط شروط القاعدة القانونية في عموميتها وتجردها وإلزاميتها .
فالقاعدة القانونية، في مجتمع الأنوميا والدولة الفاشلة لا تبقى عامة ومجردة وملزمة تطبق على الجميع، على قدم المساواة، بغض النظر عن جنس المواطن وانتمائه ومعتقده ووضعه الاجتماعي ونفوذه السياسي ، وإنما يصبح القانون يطبق بحسب هوى الماسكين بالسلطة ومزاجهم وبحسب تقلبات الطقس النفسي و السياسي لديهم .
في هذا الإطار نريد استعراض حالة، سقطت علينا هذا الأسبوع بوقع الصاعقة، لنقيس عليها حالتين ( نموذجا، وإلا فالوضع أصبح ظاهرة، بل واقعا مستشريا) ولنتساءل على ضوء ذلك :
هل دخل المغرب وضع الأنوميا ؟
سنقوم أولا بعرض الحالة الصاعقة ثم نستعرض بعد ذلك النموذجين للقياس .
1 – اعتقال ومحاكمة وسجن سعيد
سعيد بوكيوض هو مواطن مغربي يشتغل بدولة قطر .. استفزه، كباقي المغاربة، إقدام دولته على توقيع اتفاقية الخزي والعار مع كيان الاحتلال الصهيوني فكتب تدوينات قصيرة على حسابه في الفايسبوك عبر فيها عن غضبه من هذا الإجراء الذي اعتبره، كما المغاربة قاطبة، خيانة للشعب الفلسطيني وللمقدسات الإسلامية التي تعنيه ككل المغاربة .
هذا المواطن تم ترصده في المطار .. وبمجرد ما نزل وأسرته تم اعتقاله والتحقيق معه وتقديمه للمحكمة وإدانته بحكم يقضي بسجنه لمدة خمس سنوات ! وغرامة 4000,00 درهم .
تدوينات سعيد بوكيوض، التي لا تتجاوز سطرين، كانت غاضبة بإزاء التطبيع مع الكيان الصهيوني وتضمنت، بحسب معلوماتنا كلمة غير مباشرة في حق ثابت من الثوابت الوطنية تم الاستنتاج منها أنه يقصد السلطة العليا في البلاد !
للعلم، فإن الرجل أقدم على حذف التدوينات وحتى إغلاق حسابه الذي كان متضمنا لها ..
2 – زينو يسب كل الثوابت، صراحة .. فيتم تكريمه !
انور زينو هو الإسم ” الحركي ” لمواطن مغربي إسمه الكامل هو أنور دحماني .. مقيم بالديار الإسبانية .. له العشرات من الفيديوهات المنشورة على مواقع التواصل الإجتماعي، وهو يسب ويقذف الملك بالإسم ، وبأقذع النعوت .. كما أنه تبول على العلم الوطني وكان يشتم المغاربة قاطبة ويصفهم بأحط الصفات وبلغة سوقية معهودة في العالم الذي ينتمي إليه مساء جنسي .. وكان يمجد الأطروحة الإنفصالية والانفصاليين … الخ …
هذا المواطن الذي عليه مذكرات بحث عديدة دخل المغرب ولم يسأله أحد لا في مطار ولا في ميناء .. لا بل وتم توفير الحماية له والضيافة والرعاية فوق العادة وتم تنظيم ندوة صحفية له بأحد فنادق العاصمة ليشهر فيه ” عقيدته ” كشاذ جنسي .. بل إنه، بحسب تصريح له، تم إهداء سلسلة ذهبية له … وعاد إلى مكان إقامته في الديار الإسبانية معززا مكرما، رغم سامه وقذفه وإهانته للملك والشعب والعلم الوطني، ليس إيحاءا وتلميحا وإنما تصريحا … وبكل “فضوح” !!!
3 – التهامي بناني ..
هذا الإسم، الذي أصبح على كل لسان ويتتبع العالم، وليس المغاربة وحدهم تفاصيل محاكمته “الأزلية ” هو كما نعلم جميعاً شاب مغدور .. تم اختطافه وقتله ويظهر أنه تم التمثيل بجثته وإخفائها لإخفاء معالم الجريمة وتم إتلاف الأدلة.. وما يزال العالم كله يتفرج في عبثية أطوار هذه المأساة منذ سبعة عشرة سنة !!!
تم قطع رأسه وفصله عن جسده وتم قطع يديه واستئصال قلبه ومعدته ورئتيه وكليتيه.. وتتم المناقشة داخل أروقة المحكمة مدى تعرضه للعنف من عدمه ! وهل ميت أم أنه ما يزال حيا يرزق كما قال أحد محامي “المشتبه فيهم” .. تدافع طبيبة التشريح، التي تحولت إلى ” صبانة ” عن حقها في ” تصبين ” ملابس الشاب المغدور، وهي أحرص من يجب عليه الحفاظ على أي دليل … لا أثر للجثة .. ولا أثر للقبر .. ولا أثر لعدد من المحاضر والأدلة التي تم إخفاؤها ولا أثر للتواريخ في تسليم وتسلم الجثمان بين مختلف المصالح … بالجملة عمل كل شيء من شأنه أن يطمس الملف ويضلل العدالة ..
ألم يتم حفظ الملف قبل أن يخرجه من الحفظ وزير العدل الأسبق المرحوم محمد بوزوبع .. ويحرك المتابعة والمسطرة فيه المرحوم الوكيل المرحوم حسن مطر ؟!
17 سنة .. من 2007 إلى يوم الناس هذا وجثة الشاب التهامي بناني، التي فصل رأسها عن جسدها وأخذت منها الأعضاء ، مختفية !!! وما تزال المحاكمة متواصلة .. مات والد التهامي بناني ب ” الفقصة” ! تقترب أمه من الجنون بسبب المأساة والتلاعبات … و … و …و … و 17 عام من العبث .. ومازال … مازال !
آخر الكلام
ينص الدستور في فصله السادس (6) على أن :
” القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له …”
وباستعراض حالة المواطن سعيد بوكيوض واعتقاله والتحقيق معه ومحاكمته وإدانته وسجنه وتغريمه … وكل ذلك في أقل من أسبوع قياسا لحالة التهامي بناني الذي تم اختطافه وقتله والتمثيل بجثته .. وما يزال ملفه يتجرجر ومعه عائلته وأمه منذ 17 سنة وما يزال ..
فماذا يمكن للمرء أن يقول ؟
أما إذا استعرضنا اعتقال بوكيوض، بالشكل الذي تم قياسا لما ينسب إليه وقياسا إلى تكريم الشاذ جنسيا و ” البطل الإباحي ” زينو وشتمه وإهانته للملك والشعب والعلم الوطني .. وتكريمه على كل تلك الأفعال، فماذا على المرء أن يفعل ؟!
فيما يخصني، وقبل أن أفعل ما أقدر أن أفعل، أدعو القراء الكرام، وبكل جدية، أن يحاولوا الجواب على السؤالين التاليين :
+ هل يمكن القول، والحالة هذه، بأن المغرب دخل مرحلة الأنوميا ؟
+ إذا كان ميزان العبث يقول بكل هذا الاختلال ، فماذا يقول ميزان الجدية ؟
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :
« من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان » .
رواه مسلم .
وآخر دعوانا أن اللهم اشهد أنني لا أستطيع إلا بمقالي وها أنا كتبت .
- ناشط حقوقي وباحث في علم الاجتماع
2023-08-04