فيلم -ميرال -يفضح الممارسات القمعية لجيش الاحتلال والمعاناة اليومية للشعب الفلسطيني!
علي المسعود
الكاتبة والصحفية الفلسطينية “رولا جبريل” قامت بتكييف روايتها الخاصة وهي سيرة ذاتية تؤرخ لفترة من تاريخ النضال الفلسطيني ، قام المخرج الامريكي ” جوليان شنابل” في عام 2010 بتحويلها الى فيلم بعنوان ( ميرال) . يحكي الفيلم قصة ثلاثة أجيال من نساء عرب اسرائيل تتداخل حياتهن خلال بحث انساني عن العدل والامان والحرية في وقت سادت فيه لغة القتل والتهجير والسجن .
ثلاث من النساء يجسدن دورة حياة تلك الأجيال ، هند الحسيني (الممثلة هيام عباس ) ونادية (ياسمين المصري) وميرال الممثلة الهندية (فريدا سيلينا بينتو) . سرد مؤثر للأحداث التي وقعت من عام 1947 حتى إبرام اتفاقات أوسلو عام 1993. يبدأ الفيلم بتقديم ميرال نفسها ، ” إسمي ميرال شاهين ولدت في عام 1973 ولكن تاريخي يبدا من عام 1947 ” . وهذه اشارة الى امتداد مسيرة هذه الشابة الى شخصية “هند الحسيني ” التي لعبت دوراّ مهما في تشكيل وعيها وشخصيتها . “هند الحسيني” من رائدات التربية والعمل التطوعي والاجتماعي في فلسطين ، ولدت في القدس وتلقت تعليمها الابتدائي في مدرسة البنات الإسلامية قرب المسجد الأقصى، التحقت سنة 1932 بـ”الكلية الإنكليزية” للبنات وتخرجت منها سنة1937. عملت مُدرّسة في (مدرسة البنات الإسلامية) لمدة عام واحد . وتوقفت عن التدريس في إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية لفترة قصيرة ، ثم واصلت التدريس فيها حتى أواخر العام الدراسي 1945-1946. بدأت هند الحسيني التركيز على العمل الاجتماعي التطوعي في عام 1948 ، شاركت في تأسيس “جمعية التضامن الاجتماعي النسائي” في القدس التي انتشرت فروعها في جميع أنحاء فلسطين . وقامت هذه الجمعية بدراسة أحوال النساء والأطفال في المدن والقرى الفلسطينية وأنشأت روضات للأطفال ، كما نظّمت حملات لمحو الأمية ومراكز لتعلم الخياطة . يبدأ المخرج والرسام الامريكي ” جوليان شنابل ” فيلمه من المقبرة وينتهي منها ، وفي مشهد لأمرأتين في دكة غسل الموتى يقومان بتغسيل السيدة (هند الحسيني) ويترحمان على روحها ، وهي أول الشخصيات النسائية التي يبدأ منها المخرج (شنابل ) سرده للفيلم ، وباستخدام تقنية “الفلاش باك” يعود بنا المخرج من مشهد وفاة هند الحسيني عام 1994 إلى سرد حكايتها .
من مدينة القدس وفي بيت عائلةٍ ثرية مع شجرة عيد الميلاد عام 1947، وضيوف كثيرون يلتقون في أجواءٍ أرستقراطية ، يبدأ المخرج جوليان شنابل فيلمه سرده عابرًا تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال حكاية مجموعة من النساء . يفتتح الفيلم بشخصية هند الحسيني عند حضورها الحفلة التي أقامتها بيرثا سبافورد (فانيسا ريدغريف) في عام 1947 للاحتفال بعيد الميلاد ، ضيوف من مختلف الجنسيات يلتقون في أجواءٍ أرستقراطية ، تشارك هند الحسيني أيدي (الممثل وليام دافو) والممثلة فانيسا ربدغريف الرقص والغناء على اغنية (ياشادي الحان) ، إلا أنَّ إيقاع الحياة الهادئة سرعان ما يتغير بعد بضعة أشهرٍ مع قيام دولة إسرائيل وتعرُّض قسمٍ كبيرٍ من الشعب الفلسطيني للمذابح والتشريد الذي عانى منه في تلك الفترة . ينتقل بنا المخرج الى لقطة أرشيفية لحظة أنهاء الانتداب البريطاني وقيام دول أسرائيل على ارض فلسطين المغتصبة ، حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبنت خطة التقسيم (قرار الأمم المتحدة رقم 181 (29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947). بعد قيام الحرب ضد الكيان الصهيوني في عام 1948 . يرتكب الكيان الغاصب جريمة مذبحة دير ياسين . في شهر نيسان/ أبريل 1948، (هند الحسيني) في طريقها لحضور اجتماع للجمعية في البلدة القديمة في القدس ، تصادف مجموعة من الأطفال اليتامى المشردين في الشارع ( عددهم يقارب ال 55) ، أكبرهم في التاسعة من العمر وهم في حالة مأساوية وتفطر القلب ، كانوا فارين من قرية دير ياسين بعد المذبحة التي ارتكبتها المجموعات الصهيونية فيها بعد أن قتلوا ذويهم وأهلهم . ودفعتها هذه الحادثة إلى تأسيس جمعية خيرية لخدمة الأطفال الفلسطينيين الأيتام والمحتاجين، وأطلقت عليها اسم (دار الطفل العربي) . عملت هند الحسيني وبمرور الوقت وبفضل جود العشرات من الداعمين والمحسنين على توسيع مشروع البناء المخصص للمدرسة وأضافه العديد من المرافق الأساسية والضرورية لها بعد أن كانت البداية متواضعة ثم نمت إلى أن أصبحت خلال الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين، مؤسسة تربوية وطنية مرموقة تضم الحضانة ورياض الأطفال، ومكافحة الأمية والتدبير المنزلي . وخلال العدوان الإسرائيلي في حرب حزيران/ يونيو 1967 ، حوّلت هند الحسيني مقر “دار الطفل العربي” مستوصفاً لعلاج الجرحى، ولم يسلم هذا المقر من اعتداء القوات الإسرائيلية، إذ تم قصفه وتدمير نصفه بالكامل .
وبعد حرب الايام الستة ونكسة 67 قامت اسرئيل بضم الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان والقدس الشرقية الى الاراضي المغتصبة . وفرضت قوات الاحتلال منعا للتجوال من الساعة 7 مساءاّ حتى الساعة 7 صباحاّ ، وأصبحت هند الحسيني على الجانب الشرقي من مدينة القدس . بدأت مهمة هند الحسيني الانسانية وهدفها السامي في تعليم الاطفال وتعزيز الامل في نفوسهم تزداد صعوبةّ ، وبدأت تتعرض للعديد من المعوقات مثل ، الحصول على أذن للوصول الى مناطق نابلس وبيت لحم وأريحا لأحتضان الايتام ، وكذالك يتطلب منها اصدار وثائق لغرض الحصول على الموافقات من سلطات الاحتلال، ورغم ذالك كبرت مدرستها واصبحت تضم صفوف دراسية لمراحل مختلفة . في مشهد وصول جمال شاهين أحد أئمة المسجد الاقصى الى الدار حاملاّ على يديه طفلة متروكة على باب الجامع ، وفي الحال تمنحها (هند الحسيني) اسم هداية لانها تريد ان تحتفظ الفتيات بهويتهن الفلسطينية .
ينتقل المخرج الى الشخصية الثانية نادية وتقوم بدورها( ياسمين المصري) ويكشف عنها لحظة فرارها من بيت أمها بعد محاولات زوج أمها أغتصابها . لكن حالة التشرد تقودها الى أحد الملاهي لتعمل راقصة شرقية ، وحين تتعرض الى أهانة من أمرأة اسرائيلية تضربها وتكسر أنفها . ترمي بالسجن ويحكم عليها ستة اشهر ، في السجن تتعرف على الممرضة فاطمة التي تساعدها عندما تتمرض في السجن ، نسمع صدى قصيدة الشاعر سميح القاسم بصوت المناضلة فاطمة بروناي :” مِن كوّة زنزانتي الصُّغرى.. أبصرُ أشجاراً تَبسمُ لي .. وسطوحاً يملأها أهلي .. ونوافذَ تبكي وتصلي من أجلي .. من كُوّةِ زنزانتي الصغرى .. أبصرُ زنزانَتَكَ الكُبرى “. المخرج جوليان شنابل يكشف لنا جانب من شخصية المناضلة فاطمة بروناي وتقوم بدورها الممثلة “ربى بلال” التي كانت تعمل رئيسة ممرضات في المستشفى وفي حرب الايام الستة في عام 1967 ساعدت في تهريب الجنود الأردينين الجرحى والذين هم اسرى حرب . بعد طردها من العمل ، تعود الى القدس الشرقية وتقوم بوضع قنبلة في دار سينما ، ورغم إنها لم تنفجر القنبلة ولكن حكم عليها مرتين بالسجن المؤبد وحكماً أضافيا لانها لم تقف في المحكمة كما طلب منها القاضي . وعند زيارة الشيخ جمال للمناضلة فاطمة في السجن يتعرف على نادية (وينتظرها) . و بعد خروجها من السجن يتزوج منها ، ثم يبدا صوت الشاعر الراحل محمود درويش ينشد قصيدته الجميلة (أنتظرها) مع العزف الممتع لثلاثي جبران . لكن نادية تشعر بوساختها امام نقاء وطهارة الشيخ جمال وتقرر ان تنهي حياتها وتنتحر برمي نفسها في البحر لكونها امرأة تعيش على أنقاض ذاكرتها المؤلمة وعلى سلوكها المنحرف ، تاركة طفلتها ميرال تحت رعاية الشيخ جمال هنا تحديدا يجد الشيخ جمال في “ميرال ” ابنة له حتى لو لم تكن من صلبة ، حيث يأخذها إلى مدرسة هند الحسيني كي تتلقي تعليمها .
وتبدا حكاية الشخصية الثالثة ميرال من أمام دار الطفل العربي حين يسلم الشيخ جمال شاهين الطفلة ميرال ( يولاندا الكرم) الى مدير الدار هند الحسيني ، الشيخ جمال الذي تعود حمل الأطفال الذي يتركون امام الجامع الى الدار ، لم يتخيل يوما انه سوف يقود ابنته التي يحبها اكثر من حياته الى تلك الدار ، لكنه لايريدها ان تكون مثل أخته فاطمة أو زوجته نادية . ثم يقفز المخرج بالاحداث الى عام 1987 بعد ان أصبحت ميرال فتاة مراهقة وتقوم بدورها في تلك المرحلة الممثلة الهندية (فريدا بينتو) . في اجتماع المدرسة تخاطبهم مديرة الدار هند الحسيني ” في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ شعبنا الفلسطيني ، وبعد سنوات من الاحتلال الصهيوني لبلادنا إندلعت ثورة وهي الانتفاضة الفلسطينية ولابد إنكنّ سمعتنّ عنها ، شعبنا لن يتحمل الانتهاكات والتجاوزات الاسرائيلية ، حتى قامت بغلق المدارس، واجبنا في مساعدة الاطفال في تعليمهم وسوف ارسلكنّ الى مخيمات اللاجئين لتعيدوا إفتتاح الصفوف وسوف تقومنّ بتدريسهم “. تذهب ميرال الى مدينة رام الله لغرض تدريس الاطفال وتشاهد وحشية الجيش الاسرائيلي حين يقوم بهدم بيوت المواطنين الفلسطينين العزل في رام الله وتبدأ تتساءل ، اين ستنام تلك العائلة بعد هدم دارها ؟ ولماذا لم يقاوم هذا الفعل الأجرامي؟ ، علينا نحن ان نقوم بشئ حيال ذالك “.
لمشاهدة الفلم ..أضغط على الرابط
https://www.youtube.com/watch?v=JGQ5lOxg3sY
2023-06-26