فلسفة القطيع…!
اضحوي جفال محمد*
منذ ان لاحت تباشير هزيمة داعش قبل تسع سنوات طفت على السطح اشاعة فخمة، كأنها التعويض عن الهزيمة، تقول ان معاهدة سايكس بيكو ينتهي مفعولها عام 2022 وتعود الموصل الى تركيا. انتشرت في الموصل وما حولها على نطاق واسع، ولا تخطىء العين ان المروجين لها هم النازعون اليها لا المتوجسون منها، تذكيهم رغبات هلامية لم اجد لها تفسيراً، فالاغلبية الساحقة من معتنقيها سيخسرون بالقياسات المادية لو تحققت.
وحان الاجل ومضى ليكشف للمعنيين انهم يستندون على شفا جرف هارٍ. ولملء الفراغ الناشىء في النفوس من جراء الخيبة تبرع لهم المهرج فايق الشيخ علي بنبوءة طازجة تقول ان النظام في العراق يسقط عام 2024 ويعود البعثيون الى الحكم. قالها بطريقة المنجمين لا المحللين، وهو ما يغني القطيع عن مؤونة التفكير، بالقفز فوقه الى المسلمات.
انتشرت النبوءة انتشار النار في الهشيم، وفي مقدمة المقتنعين بها كانت رغد صدام، فكشخت وذهبت الى قناة العربية لتطرح نفسها انديرا غاندي العراق. وأخذت تتحين الايام كي ترسل التهاني والتعازي لامراء الخليج وابن القذافي بمناسباتهم.
غير ان العام الموعود بلغ خريفه وبدأ بالتصرم قبل ظهور ما يشير الى عصمة فايق الشيخ علي، حتى ادرك القوم اليأس. وبينما هم يشظّون عن رواحلهم بافلاس سقط النظام في سوريا وانتعشت الامال. واقترنت عبارات التبريك بجملة (الدور على العراق ان شاء الله).
انا واحد من الاقلية التي لا تقول ذلك. حيثما ولّيت وجهك بين السنة العراقيين رأيت وجوهاً مستبشرة لا تخفي اغتباطها بما حصل ولا تلجم رغبتها بامتداده الى العراق.
سألت احد المتحمسين للتغيير في العراق وفقاً للنموذج السوري، وهو شرطي طيب القلب يفضل السير في الصفوف المتقدمة من القطيع، كان قبل انخراطه في الشرطة يعمل شحاذاً، فلما توظف تعدلت اموره ورفرف بين جوانحه عبير الاحلام بأن لا يستمن الآخرين، لكن حوافر داعش سحقت احلامه، وأعلن على يديها التوبة من الوظيفة الكفرية وعاد شحاذاً من جديد، الى ان تحررت الموصل فسارع ليتوب عن توبته السابقة ويعود شرطياً بثلاثة خيوط. وتزوج نقداً واشترى سيارة بالاقساط، وها هو الان يتصدر المجالس التي تصبو الى التغيير وان يحل علينا ما حل بسوريا!. سألته عما سيفعل اذا تحققت الامنيات وجاءنا ثوار سوريا!. وجم كأنه لم يتحسب ذهنياً لامكانية ان يستجيب الله لدعاء شرطي بثلاثة خيوط. همّ بالكلام ثم عدل عنه متجهم الوجه وغاص في لجة تفكير عميق. يعلم ان التوبة غير متاحة متى شاء، وان مهنة شحاذ لا يطالها الشرطة المأثومون بأكثر من توبة. لذلك خلص من دوامة التفكير الى القول: اذا جاؤونا اهرب الى اربيل او بغداد، واضاف الى جوابه ابتسامة عديمة الملامح. قلت: لماذا لا تهرب الى سوريا، أليست أقرب من اربيل وبغداد؟ قال: سوريا ما عادت سوريا الاولية. افلتت العبارة من فمه دون ارادة منه. حاول استرجاعها لكنها خرجت، فغاضت ابتسامته.
( اضحوي _ 2045 )
2025-01-27
