واجب الثورة وضرورة الحركات الثورية!
جمال الطاهات
تنبه العديد من المفكرين لأهمية حماية الدولة الحديثة من الاستبداد والطغيان، بالتأكيد على وجوب الثورة ضدهما. إذ أن لا تقدم مع الطغيان. ولا يمكن للدولة الحديثة ان ترعى تقدم شعبها وتصون حقوقه وتخدم رفاهه دون ضمانات للحرية. والثورة فريضة واجبة لمنع الاستبداد من اختطاف الدولة وحرفها عن وظيفتها الأساسية وهي التعبير عن إرادة الشعب وخدمة مصالحه.
إن قوام الدولة الحديثة وفكرتها ومبررات وجودها ومبررات الخضوع لسلطتها، أنها تعبير عن إرادة شعبها وفي خدمة مصالحه ورفاهه وتقدمه. والمبدأ هو أن الحاكم موظف لدى الشعب، وليس سيداً له، وليس مالكاً للدولة، بل مشغلاً لها. فلا إرادة للحاكم فوق إرادة شعبه. هو ببساطة (ليس إرادة مستقلة وقائمة بذاتها)، إنه مجرد وسيلة لإنفاذ إرادة الشعب عبر انفاذ القوانين.
ومن حقيقة أن السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. تنشأ ضرورة المعارضة، حتى تضمن عدم انحراف السلطة وعدم فسادها، وحتى تضمن انفاذ القانون دون طغيان ودون استبداد وتعسف. فالمعارضة هنا ضرورة لضمان أن تبقى الدولة في خدمة الشعب، وليس في خدمة الحاكم ودوائر المصالح الفاسدة. فالمعارضة ضرورة لمنع تحول السلطة إلى مفسدة.
تغييب المعارضة يفرض واجب الثورة
وقد أكد طيف واسع من المفكرين ورجال السياسة التاريخيين، على مقولة الفيلسوف الإنجليزي الذي عاش في القرن السابع عشر جون لوك، من أن “واجب الشعب” أن يثور ضد الطغيان وضد الاستبداد الذي يغيّب المعارضة ويمنعها بالقوة والخداع. الاستبداد ليس مجرد انحراف، أنه “طاعون” يدمر المؤسسات ويفسدها، فحيثما حضر الاستبداد حضر الفساد، وحضر معهما واجب الثورة لإعادة الأمور إلى نصابها. الاستبداد ليس مجرد انحراف مؤقت يمكن معالجته بالنصح والإرشاد. هو وباء خطير، يجب معالجته ومنع انتشاره وتفسي آثاره في المجتمع بالثورة الواجبة، لتمكين الشعب من استعادة الدولة وضمان أن تصبح في خدمته.
والمحاكمة المنطقية التي تجعل الثورة واجب، شرحها جون لوك، وجعلها بسيطة ومباشرة.
اولاً: الحكم في الدولة له وظيفة واضحة وهي خدمة الشعب.
ثانياً: الدولة الحديثة تقوم بعملها عبر منظومات قانونية وقواعد موضوعية ناظمة لعمل الدولة، عبر ضمان إنفاذ القوانين التي تعبر عن إرادة الشعب.
ثالثاً: الذي يضمن انفاذ القوانين في الدولة الحديثة توفير ثنائية الحكم والمعارضة. وجود المعارضة المؤسسية ضرورة حتى تستقيم الدولة وتقوم بواجبها وتمنع انحراف الحاكم.
رابعاً: حين يقوم المستبد الفاسد بتغييب المعارضة المؤسسية بالقوة والخديعة، تصبح الثورة واجب لاستعادة الدولة. وجود المعارضة ضرورة حتى تقوم الدولة بدورها. ولكن حين يتم تغييب المعارضة السلمية والمؤسسية، تصبح الثورة واجب وفريضة.
من هم المكلفون بالفريضة الثورية؟
المثقفون والرواد هم مناط التكليف بواجب الثورة وفريضتها. ولكن ليس عبر حض الجماهير على الثورة، وإنما بتمثل دور الريادة. فكما أن دور الرواد أن يرشدوا أهلهم إلى الطريق الآمن نحو الماء والمراعي، فإن دور المثقفين والرواد في أداء واجب الثورة يبدأ بتغيير السؤال من: لماذا يوجد الاستبداد؟ وأن يبدأوا بطرح السؤال الحقيقي وهو كيف يمكن للشعب أن يتخلص من الاستبداد؟
لقد تأثر عبد الرحمن الكواكبي بمصدرين فكريين واضحين في كتابه طبائع الاستبداد، الأول هو الماوردي، الذي حدد علم السياسة وعرفه بوظيفتين هما: “تسهيل النظر وتعجيل الظفر”، والثاني هو العلم الحديث الذي ينطلق من ضرورة معرفة طبائع الاستبداد وخصائصه للتخلص منه. فقد كتب “طبائع الاستبداد”، للمساعدة في إيجاد طريقة للتخلص منه، ولكن بأسلوب خطابي.
دور الرواد: ليس حض أهلهم على الرحيل، بل توضيح المسارات الآمنة، التي توصل إلى الماء والكلأ. ودور الثوار لا ينحصر بلعن الاستبداد والفساد، بل بالمساهمة بتطوير خيارات للعمل الثوري لإسقاط المستبد الفاسد.
كيف نتخلص من الاستبداد؟
المطلوب ليس تفسير الاستبداد، ولكن تحديد الخطوات العملية للتخلص منه، وأيضاً إرساء معالم النظام البديل لحكم المستبد الفاسد. وهذه هي روح النهضة العلمية. التفسير من أجل التوصل إلى خيارات عملية للتأثير بالواقع. منذ النهضة المتعلقة باكتشاف الجراثيم كعامل من عوامل المرض، تم التخلص من تفسير المرض بانه غضب للأرواح الشريرة، وبدأت رحلة تطوير وسائل عملية للتخلص من الأمراض والأوبئة.
أي تفسير لا يقدم خيارات جديدة ل (تسهيل النظر وتعجيل الظفر)، ولا يساعد على اشتقاق خيارات ثورية للتخلص من الاستبداد، كما وصف الماوردي علم السياسة، هو تفسير مقصود منه التضليل. تفسير الاستبداد، يجب أن ينطوي على مؤشر لفعل ممكن للتخلص منه وبناء النظام البديل.
كيفية أداء الفريضة الثورية؟
الجواب هو إنشاء الحركات الثورية. وجود الحركات الثورية، ضرورة حتى تدافع عن حق الشعب وتمكنه من القيام بواجبه وخلع المستبدين الفاسدين. حضور فكرة الثورة كخيار حين تغيب فرص التصحيح السلمي الديمقراطي هو بحد ذاته فعل ثوري ناجز. وهذا ما يميز السياسة عن الهندسة، طرح الفكرة السياسية هو فعل وإنجاز بحد ذاته. وجود الحركة الثورية وانطلاقها يصون حق الشعب بالتغيير. المهم هو ان توجد الحركة الثورية وتقوم بمهمتين متكاملتين: الأولى تقديم صورة النظام البديل الذي يحترم حريات الشعب، والثانية السعي لتمكين الشعب من اسقاط المستبد الفاسد والتخلص منه، كشرط ضروري لتشييد النظام البديل.
ما هي وظيفة الحركة الثورية؟
التناقض الشكلي بين فريضة الثورة وتأديتها عبر انشاء الحركة الثورية، وبين حقيقة أن الثورات تتحقق بالشعوب وليس بالحركات الثورية، حلها بسيط، ويتلخص بأن تدل الشعب على الطريق، وليس بأن تسير نيابة عنه. تعبئة الموارد الشعبية لإنجاز الثورة، يتحقق بالعمل على توضيح المسار الثوري ونتائجه.
مآل الثورات في كل مكان واحد. استرداد الشعب لدولته. ولكن طريق الثورات مختلف ومتعدد ويخضع للتضاريس والبيئة الاستراتيجية في كل دولة. اخلاص الحركات الثورية للثورة، هو الذي يمكنها من تجنب الانزلاق نحو الخطأ المتكرر وهو الاعتقاد بان الحركة الثورية تقوم بالثورة نيابة عن الشعب.
أخيراً
يؤدى التكليف بالفريضة الثورية عبر ركنين: إعلان المكلفين بالفريضة لموقفهم الثوري، وإدامة السعي لمساعدة الشعب على انجاز ثورته.
وجود الفكرة الثورية كإمكانية ضرورة، إن لم يكن لإنجاح الثورة، فعلى الأقل للتخفيف عن الشعب، وكبح جماح الاستبداد والفساد. فلا يمكن للمستبد الفاسد أن يصلح، إن كان هناك فرصة للإصلاح، إلا تحت وقع أقدام الثوار تدق الطريق. المستبد الفاسد وعائلته يخافون ولا توجد قيم عليا توجه خياراتهم. إمكانية الثورة في أوروبا هي واحدة من أهم العوامل التي دفعت للإصلاحات العظيمة التي قادت لدولة الرفاه. كما أن ثورات الاستقلال هي التي قادت إلى تعديلات كبرى في النظام المالي والاقتصادي العالمي، وفتحت الطريق لعصر التنمية التي شهدتها المستعمرات بعد قرنين من تجاهل مطالب شعوبهم.
فإذا لم يقدم المثقفون والرواد ما “يسهل النظر ويعجل الظفر” عبر المساعدة على اشتقاق الخيارات الثورية، أو تحسين بعضها، فإنهم ببساطة يقصرون بالفريضة المكلفون بها، ويخونون شعوبهم، او أنهم بكل بساطة دون الوعي المطلوب، وقاماتهم أقصر من قامات الرواد، الذين يرون ما وراء تلال التجهيل والخداع.
2026-05-16