فلاديمير بوتين.. ومستقبل العالم الجديد!
ماجد بن عبد العزيز التركي*
مدخل بكلمة لا بد منها:
لا أخفي إعجابي بـ”المركزية” في القيادة الإدارية للسلطة العليا، كونها ضرورة للثبات في التوجه، والتوازن في القرار، إلى جانب أهمية “التعددية المصاحبة” كونها ضرورة للتجديد والتنوع، فهما خطان إداريان متكاملان، وغير متوازيين، وهذا ما ألحظه في القرارات السيادية الروسية، ووفقاً لهذا أبني قراءتي وتحليلاتي للمشهد السياسي في روسيا “بوتين” وانعكاساته على المشهد العالمي من خلال مراجعة الملفات الأكثر “سخونة وحيوية”، وسبق أن علقت على هذا “النهج” في عدة برامج تلفزيونية. إن المركزية في القرار السياسي والاستراتيجي أحد أسرار “التوافقية” السعودية/الروسية، رغم التحديات المحيطة بعلاقاتهما، وينطبق هذا على علاقات روسيا أيضا بالدول الخليجية وبعض الدول العربية والشرق أوسطية.
كيف يسير العالم وإلى أين يتجه؟
سؤال يفتح صفحة شائكة في واقع العالم ومستقبله، ويقود إلى تحليل العناصر الفاعلة في التحولات الدولية: (السلبية والإيجابية، الفعالة والكامنة، العلنية والسرية، السلمية والحربية، الاقتصادية والسياسية). وبكل تأكيد يكون وراء هذه التحولات في شمولها وتنوعها، مؤسسات دولية “رسمية وخفية” تعمل أو تعبث بالفضاء الدولي وتحدث الكثير من التقاطعات المتناقضة “في كثير من الأحيان” والتي تجعل من الصعوبة بمكان فهمها ومن ثم الربط بينها، أو نظمها في سياقات محددة يمكن من خلالها قراءة المشهد وفهم تحولاته. ورغم تعقيدات المشهد العالمي فترة الحربين العالميتين، خاصة في الفترة بين (1914 ـ 1945م)، إلا أن عناصر التفاعل “تقليدية” تمنحك القدرة على النظر والتحليل وفهم المسارات. لذا تشكل اتجاهان عالميان صريحان “حلف وارسو، وحلف الناتو” يتصارعان للنفوذ في سياق أممي، والتعامل بما يمكن تسميته “الأوراق المكشوفة” رغم عبثيات وكالات الاستخبارات وتقنياتها التقليدية، لإحداث “سبق” في ميادين التنافس الاستخباراتي.
أوجه متعددة تتشارك في تشكيل العالم الجديد:
منظمة شنغهاي للأمن والتعاون، والتي تأسست في “15 يوليو/2001م”، كمنظمة أوراسية دولية “سياسية، واقتصادية، وأمنية”، وتضم في عضويتها: (الصين ـ روسيا ـ كازاخستان ـ قيرغيزستان ـ طاجيكستان ـ أوزبكستان).
الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الصيني ومساراته الدولية وما يلحق به من تحالفات وتحديات، خاصة بعد دمج المبادرة في دستور “جمهورية الصين الشعبية” في العام/2017م.
مجموعة تحالف بريكس، الذي يضم في عضويته الدول الست الرئيسية: (الصين ـ روسيا ـ الهند ـ جنوب أفريقيا ـ البرازيل)، والدول المنضمة أو التي تنوي الانضمام لاحقاً، (السعودية ـ مصر ـ الأرجنتين ـ إيران ـ الإمارات)، وغيرها من الدول التي تقدمت بطلبات الانضمام.
أوبك + وهذا مسار مهم جداً، نظرا لدوره في ضبط اتجاهات سوق الطاقة العالمي والتوازن المتكافئ بين العرض والطلب، والسعر العادل للمنتجين والمستهلكين، رغم تأثره الجزئي بتذبذب موقف بعض الأعضاء الـ23، وقد يتنامى دوره في حال تم فتح مسار موازٍ بذات الآلية لقطاع الغاز.
وحتى تؤدي هذه المنظومات “المتفرقة” الدور الفاعل في إحداث التوازن العالمي، يلزمها الانضواء في منظومة متكاملة ذات قرارات سيادية عليا، وبدونها سيظل تأثيرها محدوداً وبطيئاً، ومشتتاً، يقابله سرعة ومهارة في التكتيكات الغربية، وفي استخدام الأدوات التقليدية “المالية والقانونية” التي لا تزال فاعلة إلى جانب العالم الغربي.
يقابل هذه العوامل الفاعلة، مجموعة من العوامل والمؤثرات المضادة:
المؤسسات المالية الدولية التقليدية المغذية للمصالح الغربية.هيمنة الدولار على الحركة الاقتصادية الدولية ودور نظام/SWIFT في تأكيدها.
ضعف المؤسسات الأممية “الأمم المتحدة ومجلس الأمن”، التي لا تزال تحت ضغوط الغرب وتوجيهه لمساراتها أو على الأقل تعطيلها عن أداء دورها الفاعل والعادل.
المؤسسات الحقوقية “العابرة للقارات” المنسجمة مع ما يسمى “القيم الغربية” وأجنداتها الاجتماعية والثقافية والدينية.
تفكك الرأي الآخر “المضاد أو غير المنسجم” وعدم انضوائه في منظومة متكاملة “سياسية عسكرية اقتصادية” تدعم وتحقق المواجهة المتوازنة.
التخوف “المخفي” لدى الكثير من القيادات السياسية “الشرق أوسطية والآسيوية” والاكتفاء بمراقبتهم للمشهد، دون اتخاذ قرارات في التموضع الاستراتيجي الجديد بشكل جلي، ومعظمه بتأثير للقوى الداخلية ذات النزعة والميول الغربية.
الخطأ الاستراتيجي
كان خطأ استراتيجيا من الرئيس فلاديمير بوتين، أن حول روسيا إلى حليف للغرب “بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية” في عدة مسارات منها “محاربة الإرهاب بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م”. وهذا مما عزز هيمنة “القطب الواحد”. وقد اعترف بوتين بهذا الخطأ في سياق تعليقاته المتكررة على أحداث الأزمة الروسية الأوكرانية” وتحدث صراحة أنه أخطأ في ثقته بالغرب، وهي ثقة تم تقديمها بالمجان؛ عززت من التغلغل الغربي “الأمريكي خاصة” في ملفات العالم من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب “سياسة، واقتصاد، وأمن، وأمن معلومات، وأمن بيئي.. إلخ”. هذا الانكفاء الروسي للأجندة الغربية، أفقد العالم التوازن الدولي المطلوب. ففي ظل هذا الاندفاع الروسي “المعزز بالثقة” في الاندماج مع الغرب، غاب عن روسيا الدور المحوري الذي يمكن أن تؤديه، في ضبط الإيقاع الدولي العام، وخلق مسارات متوازنة للمصالح العالمية. “عشرون عاماً” من الثقة الروسية العمياء (من العام 2000 إلى 2020م)، خسرت روسيا الكثير:
فقدان هيبة المؤسسات الأممية.
من هنا تبذل روسيا الكثير لتستعيد “الهيبة، والمكانة، والثقة، وشيئاً من الريادة” وبالتالي المصالح المشتركة، لذا جاءت الاستدارة الروسية نحو “الذات” استدارة ثقيلة “كالتفاف الضبع” حول نفسه في حين أن الثعالب تراوغ بخفة وحيوية وخطوات متباعدة.
المحور الرئيسي في خلل الانحياز الروسي نحو الغرب “المعزز بالثقة في مصداقية الغرب وآفاق التعاون معهم” أن القرار الروسي لم يستحضر مسألة داخلية مهمة، وهي مدى تقبل “النخب الروسية” والمجتمع الروسي التقليدي بعامة، للقواعد الديمقراطية الغربية الليبرالية، التي تتناقض كلياً مع طبائع المجتمعات “الأهلية التقليدية” والمجتمع الروسي بأطيافه يتناقض كلياً مع مبادئ الليبرالية الغربية، وخاصة مبادئ “الليبرالية الجديدة”.
العقلانية السياسية “البرغماتية”، التي انتهجها الرئيس “بوتين” في انفتاحه نحو الغرب، لم تسعفه للحصول على ثقة الشريك الغربي الذي كان يخطط لمزيد من زرع توجهات بنيوية ليبرالية في الداخل الروسي من خلال تعزيز ما يسمى: (التعددية السياسية ـ المعارضة المستقلة ـ والإعلام الحر)، والتي تمثل الأدوات التقليدية لوكالات الاستخبارات الغربية للعبث بوعي الشعوب وخلق توازنات “من خلال تفعيل التناقضات الداخلية” لخدمة مصالحهم، والتي لا تعزز الاستقرار القومي والوطني للدول، بل تتناقض معها.
كان الغرب يطمح إلى دفع الرئيس بوتين، نحو مزيد من التحرك وبخطوات متسارعة في مسارات: (تفكيك السلطة الفردية للقيادة السياسية ـ تفكيك التكوين الجمعي للمجتمع بإنشاء مؤسسات مستقلة “مجتمع مدني” متناقضة في مصالحها وأهدافها ـ تغلل النظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي وإنهاك الدولة بخصخصة مقومات الاقتصاد الوطني الذي يمنح الدولة القوة أمام شعبها).
ظروف الانتقال السياسي
أقف هنا لألفت الانتباه إلى أن بعض المقدمات “في الكتب وحتى الدراسات” أهم من المتن، كونها تكشف الوعي الحقيقي للكاتب، وقدرته على رسم المعالم والاتجاهات التي ينوي الوصول إليها، وهذا ما وقفت عليه في مقدمة كتاب “روسيا بوتين” الذي يساعد بشكل جلي في وضع معالم في حيثيات قيادة الرئيس بوتين لروسيا ما بعد العام 2000م، وظروف الانتقال السياسي من “روسيا يلتسن” إلى “روسيا بوتين”؛ لنتمكن من فهم الوقائع الحالية، وملخص فكرة المقدمة أن يلتسين حاول الجمع بين متناقضين “أن يكون زعيما ديمقراطيا، وقيصر الكرملين” لكن التعب والمرض أفقداه القدرة على التحكم في السلطة، والعمل على بناء دولة، فتحول من شخصية دائمة الصراع على السلطة والهيمنة ومواجهة الخصوم، إلى تسليم غير متوقع للسلطة إلى شخصية غير معروفة في التاريخ السياسي الروسي، فكانت كهدية رأس السنة لفلاديمير بوتين. فبالرغم من كون “يلتسين” شخصية قادرة على مواجهة الخصوم، ولكنه في تلك المرحلة لم يكن قادرا على إحداث “التغيير”. والمغزى الرئيسي الذي اتجهت له الكاتبة أن يلتسين، لم يكن يعرف كيفية التعامل مع التحديات الجديدة التي تواجه روسيا وتذليل العقبات لبناء دولة حديثة، وما يحتاجه ذلك من تأسيس “وحدة وطنية جديدة” فكان الوقت والظرف للتنحي عن السلطة، فكانت “روسيا بوتين”، التي عاشت تناقضات داخلية كتركة لفترة يلتسين، يقابلها تحديات “خارجية” نشأت ونمت في مرحلة “الانكفاء الروسي”، فاحتاجت روسيا أربعة وعشرين عاماً حتى تكوَّن “النضج الروسي” في إدراك الذات الوطنية ومتطلباتها، بعيدا عن تأثيرات وإغراءات العالم الغربي، وسياقاته “السياسية، والاقتصادية، والقيمية.
مرحلة جديدة
يدشن يوم السابع من مايو/أيار 2024م بداية مرحلة حاسمة في الموقف الروسي المتنامي تجاه العالم الغربي “الولايات المتحدة وحلفاؤها” في صراع السيطرة، وحفظ المصالح الروسية، والعمل على رسم معالم المستقبل العالمي. من تابع “مراسم تسليم الرئاسة للرئيس فلاديمير بوتين” لولاية رئاسية جديدة لمدة ست سنوات (حتى العام 2030م)، شكلياً وموضوعياً سيدرك أن “روسيا بوتين” تخطُ لها خطاً لا رجعة وراءه، وسيكون على العالم التعامل معه بحذر.
وهنا أيضاً، نلاحظ مفهوم “الاستقرار” لدى الرئيس بوتين، والذي أكدّ عليه في كلمته، والذي يتجاوز به مصطلح “الجمود” إلى التحرك وفق المصالح الروسية، بمعنى التعامل مع متغيرات العصر وفق رؤية مبنية على أن روسيا دولة ذات “حضارة موحدة وثقافة متعددة القوميات”. “وبحسب كلمته”: سوف نعمل على تحديد مصيرنا بأنفسنا من أجل مستقبلنا، وبالتعاون مع شركائنا، سنعمل من أجل تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهذا فيه التزام “ثقيل في تبعاته” وما يتبعه من متطلبات للوفاء به. ختم كلمته برسالة مهمة: (منفتحين للتعاون مع جميع الدول التي ترى روسيا شريكا موثوقاً) بما يلفت الانتباه إلى أن روسيا ماضية في نهجها الجديد، وبناء عليه تبني تحالفاتها الدولية “سياسياً، وأمنياً، واقتصادياً”.
توازى مع هذه المراسم حدثان مهمان:
الأول: احتفالات بعيد النصر على النازية، (9 مايو)، والتي عادة تُظهر فيه روسيا قوتها العسكرية التقليدية، “وفي هذا العام لم تكن هناك سوى دبابة واحدة من طراز “تي 34″، بحسب “المحللين العسكريين” أنها إشارة رمزية إلى أن روسيا تحشد قواتها بالكامل في حرب أوكرانيا المستمرة منذ فبراير 2022، من دون أفق لنهايتها.
الثاني: الزيارة الرسمية للصين (16 ـ 17 مايو 2024م)، التي ركزت على ثنائية التعاون “الصيني الروسي” خاصة في ثلاثة ملفات: (أوكرانيا ـ الشرق الأوسط ـ آسيا)، وهي “باستثناء أوكرانيا” فضاءات التحرك الجديد “للجنوب العالمي” وما يمكن تسميته “محور الشرق” بأدواته السياسية وممكناته الاقتصادية، ويمكن أن تلحظ أهمية هذه الزيارة في عناوين الصحف الغربية الرئيسية:
فايننشال تايمز: كانت زيارة بوتين هجوما واضحا على الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن حثّ وزير الخارجية “بلينكن” الصين على سحب دعمها لروسيا.
نيويورك تايمز: الصين ملتزمة بالشراكة مع روسيا لأنها ترى فيها ثقلاً موازياً حاسماً لمنافسهما المشترك.
الغارديان: إن رغبة موسكو وبكين في تعميق العلاقات العسكرية هي أحدث إشارة إلى أن العلاقات بين البلدين قوية كما كانت دائمًا.
ملف أوكرانيا:
مهم للاستقرار العالمي، فهو محور الصراع “الروسي الغربي” والذي ينذر بمخاطر عالمية كبيرة، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، عاجزان عن فعل أي شيء تجاهه، حتى أن قرارات “الناتو” في هذا الاتجاه غير مستقرة وخارج إجماع الأعضاء. استمرار الحرب يؤثر بشكل سلبي وعميق على الاقتصاد العالمي، والمخاوف تتجه إلى احتمال تضعضع الأمن الدولي في حال تصاعدت وتيرة الحرب بتأثير قوى خفية مستفيدة من استمرار الصراع وتناميه.
الرئيس بوتين يحدد مؤشرات السلام في أوكرانيا في نقاط: “سيكون هناك سلام عندما نحقق أهدافنا التي لم تتغير: (إزالة النازية، نزع السلاح، وضع أوكرانيا على الحياد)، ولفهم حدة الموقف الروسي تجاه أوكرانيا، يمكن مراجعة وصف الرئيس بوتين “للعملية الخاصة” في أوكرانيا بأنها “قرار دولة ذات سيادة على أساس الحق في الدفاع عن أمنها”، وتعهد بأن “كل مهام العملية الخاصة سيتم الوفاء بها”، وأن روسيا “أجبرت على تنفيذ عمليتها” في منطقة دونباس الشرقية، “كان الأمر صعبا لكنه قسري وضروري واستند إلى ميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن أمننا”. هذه المضامين تلزم القيادة السياسية والعسكرية الروسية، أمام مواطنيهم لإتمام ما بدأته والتضحيات التي قدمها الشعب الروسي، من تبعات المواجهات العسكرية والحصار الاقتصادي.
روسيا والشرق الأوسط:
المجال الجيوستراتيجي لروسيا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيرانيين، من جانب، ومرتبط بحالة الشرق الأوسط من جانب آخر، وما يجري فيه من أحداث وتحالفات. إيران “فاعلة” بشكل مؤثر في ملفات الشرق الأوسط، ويتناقض عملياً مع العلاقات الروسية/السعودية التي تواجه ممارسات إيرانية “خارج القانون الدولي” سواء بشكل مباشر، أو من خلال أذرعها المنتشرة في الدول الحدودية للسعودية. فكيف تتوازن روسيا في مواقفها مع طرفي النقيض “السعودية وإيران” حيث تدرك روسيا “عمق المخاوف السعودية” من المراوغات الإيرانية وعدم ثبات مواقف إيران بل وتزعزعها في صراع “ثالوث القوى الإيرانية الداخلية”، (فريق المرشد، الحرس الثوري، والحكومة المغلوب على أمرها التي هي مجرد واجهة سياسية).
سيكون حاضراً أمام روسيا ملفات شرق أوسطية ثقيلة، إيران فاعلة فيها سلبياً، والسعودية تنظر إليها باعتبارها مزعزعة للأمن القومي العربي واستقرار المنطقة العربية، (استقرار العراق ـ عودة سوريا ـ التسوية اليمنية ـ قطاع غزة ـ لبنان ـ السودان)، فهل ستكون روسيا قادرة على التعامل معها بتأثير إيجابي؟
السعودية في هذا الاتجاه لا تطلب الكثير: فقط العمل على تحقيق ممكنات الاستقرار الوطني للدول العربية، وتفعيل أدوات “التنمية الإقليمية” التي تعمل السعودية على مشاركتها مع دول المنطقة، فلا تنمية بلا استقرار.
روسيا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي:
تمثل هذه الدول “جغرافياً” المجال الجيوستراتيجي الحيوي لروسيا، لاعتبارات: (الحدود الجغرافية ـ التاريخ المشترك “الإيجابي والمتناقض” من روسيا القيصرية إلى الاتحاد السوفييتي إلى الاستقلال مطلع/1990م ـ الوعي المعرفي واللغة المشتركة ـ التحالفات والمصالح الاستراتيجية المشتركة ـ المخاطر الاستراتيجية المشتركة “إقليمياً ودولياً”).
فهل تستطيع روسيا في هذا الفضاء المتناقض، تحقيق المكاسب وتجاوز السلبيات التي يفرضها: (الجوار الصيني ـ المصالح الغربية ـ التغلغل الإسرائيلي تحت مظلة يهود المنطقة ـ الحضور الإيراني المؤسس للأبعاد الطائفية المتناقضة مع العمق الديني السني لعموم المنطقة ومنها الحاضرة الإسلامية في روسيا ـ تطلعات شعوب المنطقة لتجاوز التأثير الروسي ـ يقابله اضطراب في تحديد طبيعة الهوية اللغوية وأدواتها لدول المنطقة).
فلاديمير بوتين، هو من وضع نفسه أمام تحديات “مستقبل العالم الجديد”، ففي سياق المحاور السابقة والتحديات المحلية والإقليمية والدولية، وما يقابلها من ممكنات “تبدو فاعلة”: (التأييد الداخلي الروسي لبوتين ـ بريكس وأوبك + اقتصادياً ـ شنغهاي أمنياً)، وما يصاحب ذلك من الحضور الصيني الداعم للموقف الروسي.
أمام هذه المتناقضات نتساءل:
هل لدى “بوتين وروسيا” الرؤية الاستراتيجية للخروج منتصراً وقيادة مستقبل العالم الجديد بسلام؟
هل التوجه الروسي المتسارع للحد من النفوذ الغربي، يمثل خياراً عالمياً مفيداً؟
ما مدى قدرة “الجنوب العالمي” بقيادة روسيا، ومن ورائها الصين، على تحمل العبء الاقتصادي الدولي في حال نجاحهم في تحييد “الدولار” ومنظوماته المالية، حيث من المتوقع “يقيناً” حدوث انكسارات اقتصادية في المنظومات المالية الدولية؟
ما مدى الانسجام المستقبلي لـ”المؤسسات الأممية” مع التحولات “السياسية والأمنية والاقتصادية” التي تقودها روسيا؟
ما موقع منطقة الخليج العربي، بما تمثله من ثقل اقتصادي رئيسي، وممر أممي محوري من مسيرة التحولات التي تقودها روسيا، هل ستكون مجرد تابعة، أم منسجمة، أم فاعلة باستخدام أدواتها المؤثرة؟
جملة من المحاور، ولا أقول الاستفسارات، تحتاج منا على المستوى الوطني، والجمعي الخليجي، وأوسع من ذلك عربياً، إلى تحليل واقعي يتجنب التمنيات، ويبتعد عن الولاءات، ويكون مبنياً على مؤشرات دقيقة؛ للإسهام في الأمن والسلم العالمي، ورعاية المصالح الوطنية للأطراف “خارج اللعبة التصادمية” بين الشرق بقيادة روسيا، والغرب بقيادة أمريكا.
لدي رؤيتي التي لن أحررها هنا، وستبقى رهن تأملاتي حتى أجد الحاضنة لرعايتها
الجزيرة
2024-05-25