فقه الاستنارة بإمكانه هزيمة داعش !
د.رفعت سيد أحمد.
رغم أن داعش كتنظيم إرهابي دولي ؛بدأ في التراجع والانهزام خاصة في سوريا والعراق وفي سيناء المصرية ،الا أن (فكر )هذا التنظيم لا يزال حاضرا وإن كان ضعيفا …حاضرا في أفكار بعض السلفيين المتشددين ،حاضرا في بقايا جماعة الاخوان الارهابية ،حاضرا في أفكار بعض المناهضين –حتي لو إرتدوا عباءة علمانية -ل(الدولة ) الوطنية :بجيشها ومؤسساتها وشرطتها وشعبها. إن السمة الرئيسة لهولاء هي التعصّب وإدعاء إحتقار الوطنية والثورية دون سواهم من القوي الوطنية في البلاد التي أبتليت بفكر الدواعش القدامي (الاخوان )والجدد ( تنظيم داعش وبعض مدعيي الوطنية دون سواهم ) ،إن أمثال هذا الفكر الداعشي هو ردّة فكرية، وهو لا يحمي المقدّسات والاسلام والاوطان بل يؤدّي إلى التفريط فيها
لقد كانت الفترة (2011-2021)مرحلة قاسية أنتجت فكرا ممتدا لاينتهي بإنتهاء التنظيم المسلح ،فكر يقوم علي الاقصاء والقتل ،ومواجهة هكذا فكر يعد أصعب من مواجهة التنظيمات الداعشية المسلحة ذاتها علي الارض ، ومن ثم تعد مواجهته أوجب وأكثر أهمية ،إن هكذا فكر داعشي ولانه لايزال حاضرا في بلادنا العربية (وفي مصر بخاصة ) فإنه يتطلب ، فقها وفكرا جديدا قائما علي الاستنارة ..طالما هدفنا الاستراتيجي هو المواجهة ، إن فقه(الاستنارة )الذي ندعو له ولابد وأن تكون من أبرز أهدافه دفع الامة في إتجاه المقاومة القائمة على الوحدة والتقارُب المذهبي والبعيدة عن الفرقة والتعصّب الذي يضرب في قلب الأمّة بلا هوادة ويهدّد وجودها ذاته وليس فحسب مقدّساتها. ****************** *إن الأمّة العربية والإسلامية تتعرّض لهجمة شرسة تستهدف مصالحها ومقدّساتها، ولهذه الهجمة مظاهر وتجلّيات واضحة في نقاط وبؤر السخونة الرئيسية وبالتحديد في سوريا وفلسطين والعراق وشمال سيناء وليبيا، حيث تتوسّل قوى الإرهاب مدعومة من الخارج لتحقيق تلك الاستراتيجية العدوانية، استراتيجية الهيمنة بوسائل عدّة لعلّ أبرزها إثارة الفتنة السياسية السياسية نلحظها بين اتجاهات وطنية سياسية مختلفة سواء يسارية، إسلامية، قومية،
والفتنة الدينية أو الطائفية فنجدها بين أصحاب أديان مختلفة أو متعدّدة، وأوضح مثال على ذلك هو بين المسيحيين والمسلمين في أكثر من بلد عربي ومنه مصر ولبنان ومذهبية أي ما يحدث بين أبناء الدين الواحد مثلما يحدث الآن بين السنّة والشيعة.
والأدوات الخارجية تُعلي من كل متغيّر وذلك حسب البلد الذي تتعامل معه. ففي العراق مثلاً نجد أن الأمر واضح وجلي بين السنّة والشيعة، بينما في فلسطين يتّخذ الأمر الشكل السياسي مثلما حدث ولايزال بين حماس وفتح، أما في لبنان ومصر فهو طائفي وديني بين المسلمين والمسيحيين.
إلا أنه يمكن القول إن هذه الإستراتيجية من الهيمنة بوجه عام ينظّمها محوران أو مفرقان أساسيان داخل أمتنا:
الأوّل: هو أن الذين يسيرون في ركب الاحتلال وضد المقاومة يمثّلون محوراً رئيسياً تنتظم فيه الطوائف والمِلل والنِحل والمذاهب مع المشروع الأجنبي العدواني.
والثاني: نجد المقاومين وبداخلهم أيضاً سنجد مسلمين ومسيحيين، اتجاهات سياسية متعدّدة. وبالتالي يمكن القول إن هذه الاستراتيجية الغربية العدوانية قسّمت الأمّة إلي شطرين رئيسيين، ولعبت في الشطرين على محاور الفتنة المذهبية والسياسية والدينية وهذه هي القضية الأولى. ولكن إن جزءاً من مشكلاتنا الداخلية سببه يعود إلى غياب الديمقراطية والوعي السياسي في بعض بلادنا العربية، ولا يمكن لأمّة فيها هذا الغياب أن تقاوم.
إن التاريخ يحدّثنا عن أن الهيمنة الغربية تأصّلت منذ القِدَم، فمنذ الحروب الصليبية وحملاتها الثماني التي اجتاحت الشرق وإلى الآن، ما زال الاستعمار يعمل في المجتمعات الإسلامية. ورغم القول بأن الشعوب الإسلامية والعربية نالت استقلالها فإن البحث العلمي يقول إنها لم تستقل بعد طالما ظلّت تابعة. ويمكن القول إن الثقل انتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة والتي أصبحت هي المُشرفة على استعمار الدول الإسلامية والعربية والمُهيمنة عليها.
***************
إنّ الهيمنة قائمة ولا تزال. ومع ذلك لم تنتبه الأمّة العربية والإسلامية لذلك أو تعيه رغم تكرار الآيات والشواهد المؤكّدة لتلك الهيمنة. ومما يؤسَف له أن المذهبية عندنا مذاهب متجمّدة حول نصوص القرآن وأحاديث الرسول، وكأن نصوص القرآن متجمّدة أيضاً وهذا غير صحيح. لأن الإسلام مَرِن، وكذلك يجب أن يكون المؤمن سمحاً ومرناً في تصرّفاته كلها ولديه الوعي وخاصة بإواءات الفكر المتطرف الذي يهدم الدول ويدمرها كماهو الحال مع فكر الاخوان والدواعش الجدد
.
إن الحرية والتعدّدية سنّة من سنن الله في كونه. والتسامُح المذهبي سِمة العلماء الكبار. فمثلاً الإمام مالك حينما طلب منه وليّ الأمر أن يضع للناس كتاباً سهلاً تتجنّب فيه الرخص والمشدّدات، وضع كتابه “الموطأ” والذي نال إعجاب العلماء في عصره. ولكن عندما أراد الخليفة المنصور أن يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الأمصار رفض الإمام مالك رعاية لأحوال المخالفين له في الرأي.
كذلك فإن الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) سمح بالرؤى المتعدّدة والفَهْم الواعي. فسمح بأن يكون هناك تأويل وعمل بالنصّ في الحديث المشهور الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة. فهناك من الصحابة من أخذ بنص الحديث ولم يصل العصر إلا في بني قريظة رغم مرور وقته. بينما فَهِم البعض الآخر أن المقصود هو الإسراع ولهذا صلّوا العصر قبل أن يصلّوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبا للرسول أقر تصرّف كليهما. فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفَهْم. والإمام النووي في شرحه الصحيح مسلم يقول (اجتمعت كلمة أهل العلم على أن المختلف فيه لا إنكار فيه).
**********
إن الاستنارة و تنوّع الآراء وتعدّد أطياف البنية الفقهية هي سِمة الأمّة الإسلامية يوم كانت لها شوكة. واليوم وفي زمن داعش وأخواتها، وفي أجواء المؤامرات الواضحة لتفكيك الأوطان بإسم ثورات الربيع العربي،ووسط مؤامرات (فكر الاخوان والدواعش :والذي نسميهم بفكرالخوارج الجدد) باتت الأمّة أحوج ما تكون إلى فقه وفكر جديد يرسخ قِيَم الحوار والتسامُح والعدل بعيداً عن التعصّب وفقه المُغالاة نحن باختصار بحاجة إلى تأسيس فقه جديد هو (فقه الاستنارة) بعيداً عن فقه الاخوان و داعش والقاعدة، بل وعلى أنقاضهما، وذلك هو التحدي أمام العلماء والمثقفين والساسة !
2021-06-28