إذا سمعنا مثل هذا الحديث، حديث تجسس أمريكا على العراق، واعتبرنا أن القائل يقصد السخرية، فإننا لن نكون مخطئين، إنما نعتبر مثل هذه السخرية في غير محلها في زمن نغرق فيه، نحن العراقيون، في أخبار المآسي، والفساد، والقتل الطائفي، وقد دخلنا منذ أربع عشرة سنة نفقا مظلما لا تبدو له نهاية.
هل نحن بحاجة إلى السخرية من وضعنا؟ وإلى مثل هذه السخرية تحديدا؟
قد يغضب الواحد منا، ويرد بحنق: لماذا عساهم يتجسسون على العراق؟ هل أصبح العراق كوريا شمالية أخرى، أم أصبح إيران؟ حقا فأمريكا عندها دوافع كثيرة وجادة للتجسس على دول “مارقة” في نظرها، وتمتلك قدرات عسكرية واسعة، منها ما ظهرت، ومنها ما خفيت، والتجسس يلاحق الخافي من الأمور.
لكن ماذا عند العراق كي تتجسس أمريكا عليه؟ مختبرات نووية؟ قواعد صواريخ باليستية؟ أسلحة دمار شامل؟ مراكز تجسس الكترونية؟ مشاريع أبحاث فضائية؟ العراق بلد خربت فيه حتى مجاري الصرف الصحي.
ويزداد توتر المواطن العراقي، فيطرح الحقائق. ثم لماذا تتجسس أمريكا على العراق؟ أية معلومات تنقصها؟ الدستور العراقي وضعته أمريكا بنفسها، وصاغ بنوده بول بريمر، والحكومات المتعاقبة لا ترى النور إلا بعد تصديق أمريكا عليها، والبرلمان لا يجلس فيه أحد من أكبر معمم إلى أصغر أفندي، من السنة إلى الشيعة، إلى الأكراد، وغيرهم، إلا إذا حصل على تزكية أمريكا.
والحكومة تجلس تحت قدمي السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء. والاتفاقيات الأمنية مع أمريكا تلتف حول رقبة البلد، وتكبل يديه ورجليه.
والقواعد الأمريكية تنتشر في العراق، ولا تعلم حتى الحكومة بمواقع بعضها. والجيش تسليحه أمريكي، وتدريبه أمريكي، وكوادر أركانه لا يمكن أن تشغل موقعا فيه دون موافقة أمريكية. حتى الشرطة شارتها أمريكية. فماذا في العراق لا تعرفه أمريكا، ولا تشرف عليه بنفسها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة حتى تكلف نفسها عناء التجسس عليه؟
المواطن العراقي تستفزه فعلا محاولة تجميل نظام جعل العراق يحتل المرتبة الأولى بين الدول الفاشلة، تجميله بطريقة سمجة بالادعاء أن من أوصله إلى الحكم بدباباته يتجسس عليه.
نحن أيضا سمعنا مثل هذا الحديث، لكن لم نغضب، ولم نصب بحنق، ولم نطرح أسئلة أجوبتها معروفة للقاصي والداني. إنما قلنا في أنفسنا أن خبر تجسس أمريكا على العراق لا بد أن يكون له مصدر، فلا دخان بلا نار. قررنا أن نتقصى الأمر.
توصلنا بعد التحقيق، والتدقيق، والتمحيص فيما أنصتنا إليها من إذاعات، واطلعنا عليها من صحف، ومواقع الكترونية إلى أن الخبر، على كونه يحمل سخرية عميقة، صادق بشكل لا غبار عليه، فأمريكا تتجسس على العراق، بل إن الرئيس الأمريكي الجديد، ترامب، يتجسس شخصيا على العراق.
الخبر أصله أن ترامب أطلق قبل بضعة أيام تصريحات خطيرة، منها أن الولايات المتحدة الأمريكية صرفت عدة تريليونات من الدولارات في الشرق الأوسط دون أن تحصل حتى على بئر نفط واحدة. ومن هذه التريليونات طبعا جزء كبير صرف على غزو العراق وإقامة “النظام الديمقراطي” فيه – ربما نصف هذه التريليونات.
ثم فضح ترامب نفسه بأنه يتجسس على العراق قائلا إنه سيضع اليد على أموال السياسيين العراقيين المودعة في البنوك الأمريكية تعويضا لما خسرته أمريكا من تريليونات الدولارات في العراق.
هذا الكلام لا يترك في المجال أي مكان للشك في أن ترامب يتجسس على العراق تجسسا، ليس عسكريا، أو الكترونيا، بل اقتصاديا. نعم، إن ما فعله ترامب هو تجسس، فحسابات السياسيين العراقيين في البنوك الأمريكية لا بد أن تكون سرية، فمن أين عرف بها ترامب إن لم يكن عن طريق التجسس؟
بصراحة، فإن حديث التجسس الأمريكي على العراق فقد أهميته في نظرنا بعد أن وجدنا أن ترامب اعترف بنفسه بذلك. ما صار يُشغل بالنا هو تهديد ترامب بأنه سيعوض عن خسارة أمريكا لتريليونات الدولارات بمصادرة أموال السياسيين العراقيين في البنوك الأمريكية.
هذا التهديد يثير أسئلة تدوخنا: هل بلغت الأموال التي سرقها السياسيون العراقيون من الشعب العراقي، وأودعوها في البنوك الأمريكية، حدا يكفي لتغطية خسائر أمريكا في العراق، أي إنها تبلغ أرقاما تريليونية؟
إذا كانت هذه هي الحال في البنوك الأمريكية فقط، فماذا عن حسابات السياسيين العراقيين في سويسرا، وفي بنما، وغيرها؟ إياد علاوي، أبو الديمقراطية العراقية، وعرافها، مثلا، ورد اسمه في الوثائق المسربة عن تبييض الأموال في مصارف بنما.
هذه الأسئلة طرحناها على خبير في شؤون عراق ما بعد الاحتلال، فقال بعد تأمل قصير:
“لا تستغرب. أنا أعرف شخصا كان يعمل كشوانا”. (الكشوان هو شخص يستأجر زاوية في باحة مرقد من المراقد المقدسة، يقوم فيها بحراسة أحذية الزوار، فدخول تلك المراقد بالأحذية ممنوع، والزائر لا يترك أحذيته في الخارج خشية عليها من السرقة، فيودعها عند الكشوان، ويعطيه بضعة قروش مقابل حراستها أثناء وجوده في المرقد).
ويضيف صاحبي الخبير:
“بعد الاحتلال مررت عدة مرات على المرقد المقدس، ولم أر الكشوان، فقد حل محله كشوان جديد، فسألت عنه فقيل لي: أوه مولانا صار بالحكومة. حرصت على الوصول إليه من باب الفضول حتى أعرف كيف يدير خبير في شؤون حراسة الأحذية شؤون بلد مثل العراق. تبين لي أن حضرة الكشوان أصبح سياسيا له باع طويل، ويشارك في صنع سياسات البلد، ويشرف على ميزانيات وزارات، ويدير عددا لا حصر له من المشاريع الوهمية، ولديه وكالات من وزارة التجارة لاستيراد مواد فاسدة لها أول وليس لها آخر. يعني صار في نعيم بعد عقود من الاختناق يوميا في روائح أحذية الزوار.”
ويستطرد صاحبي الخبير:
“كشواننا اليوم عندما يتحدث عن المال فإنه يقول، مثلا، (صرفت على كذا شيء مية، أو اشتريت بيتي في لندن بميتين)، فتفهم منه أنه يقصد مئة مليون دولار، أو مئتي مليون دولار. يعني إنه لا يكلف نفسه عناء ذكر كلمة مليون، فالذين يعرفونه يعرفون أيضا ما يقصد، فلا يمكن أن يعني بـ (ميتين) مئتي ألف دينار عراقي. قبل فترة عرض عليه أحدهم مشروعا، وأراد أن يقنعه بجدوى المشروع فقال له إنه مشروع مهم سيدرّ عليه أرباحا تصل خمسة ملايين دولار، فرد عليه الكشوان (سابقا): خمسة شنو؟ بابا خمسة مو فلوس. هاي خرجية جاهل”. (بالعربي الفصيح: ما قيمة خمسة مليون دولار؟ خمسة ملايين ليست شيئا. إنها مجرد مصروف جيب لصبي)!
وختم صاحبي الخبير تحليله، وهو يهز رأسه ألما على العراق، قائلا:
“فيا صديقي. الواحد يقعد أعوج بس يحكي عدل. وترامب، لعنة والديه، أحنا ما نحبّه، بس هو صادق في كلامه، ومعلوماته التي جاءته عن طريق التجسس الاقتصادي على العراق، صحيحة مئة بالمئة، مع الأسف”.
طبعا المقولة الساخرة عن تجسس أمريكا على العراق لم تأت في سياق ساخر، بل جاءت في سياق الحديث عن كون العراق جزء أساسيا من محور المقاومة، الأمر الذي يدفع أمريكا إلى التجسس عليه. والحق الحق نقول، وعلى مبدأ .. أقعد أعوج وأحكي عدل، فهذا أمر في منتهى الجدية، أعني كون العراق جزء من محور المقاومة.
يقولون لنا أن العراق المحتل الغارق في الفساد، والفوضى، والقتل والتهجير الطائفيين أصبح يشكل تدريجيا مركز الثقل في المقاومة، ومسألة تحرير فلسطين. واه مقاومتاه!
ربما .. ربما .. من يدري، فقد يكون اندفاع ساسة العراق وقادته اليوم في الانضمام إلى خندق المقاومة، وأخذ دور ريادي في “الجهاد” لتحرير فلسطين لا يرجع بالضرورة إلى دوافع ايديولوجية، أو اعتبارات قومية أو دينية. الأمر بكل بساطة ربما يرجع إلى التفكير الاقتصادي الإبداعي للكشوانية – جمع كشوان.
يقينا فإن كل كشوان في العراق يفكر اليوم بالطريقة التالية: إذا حررنا فلسطين، ودخلنا القدس فإنها ستكون مستباحة لنا مثلما صارت بغداد بفضل الغزو الأمريكي الإسرائيلي عام 2003. وهنا فإن تحصيل مية .. ميتين في السنة (أي مئتي مليون أو ثلاثمئة مليون في السنة) أمر سهل. استول فقط على زاوية من باحة المسجد الأقصى، وقل للفلسطينيين “هذه حصتي. أنا حررتها”. وانت أحسبها. كم مليون زائر؟ كم مليون حذاء؟ وكم مية (يعني كم مئة مليون دولار أو شيكل)!
حسبي الله ونعم الوكيل. صار الناس يضحكون على ذقوننا، ويريدون جعلنا نتوهم بأن الأمل في تحرير فلسطين بات معقودا على همة الكشوانية وخططهم للسرقة والنهب!
أبشري يا أولى القبلتين وثاني الحرمين .. الكشوانية قادمون!