فرنسا تلقي القبض على مؤسس تلغرام!
رنا علوان
[ بافل دوروف ] الرئيس التنفيذي لتطبيق تليغرام ، وهو رجل أعمال روسي اشتهر بدفاعه الشديد عن الخصوصية الرقمية وحرية التعبير ، يبلغ من العمره 39 عامًا ، ومُلقّب بـ [ مارك زوكربيرغ روسيا ]
قدرت مجلة فوربس ثروته بنحو 15.5 مليار دولار ، وقد حصل دوروف على الجنسية الفرنسية في أغسطس/آب عام 2021 ، وهذا ما ساهم بتوقيفه ، كما يحمل جنسية الإمارات العربية المتحدة ، كون الإمارات تُعد الملاذ الأمن للأوريغارش الروس
يُعرف بافل دوروف بحديثه عن الخصوصية ومقاومته للتدخلات الحكومية فيما يحدث على المنصات التي يملكها ، وهو ما يشكل جزءًا كبيرًا من صورته العامة
اشتهر اسمه للمرة الأولى عند تأسيسه لموقع التواصل الاجتماعي “في كيه” (VK) عام 2006 ، الذي سرعان ما تحول لأكبر شبكة تواصل اجتماعي في روسيا ، وكان يطلق عليه “فايس بوك روسيا”
لم يدم الأمر طويلاً حتى باع بافل دوروف حصته في منصة (Vk) التي باتت تضم اليوم أكثر من 400 مليون مستخدم ، وينشر عليها يوميًا زُهاء 12 مليون منشور بـ 44 لغة
كما تُعتبر منصة “VK” من بين أقوى المنافسين لـ”فيسبوك” وإحدى أشهر منصات التواصل الاجتماعي حول العالم
أما (ما الذي يميزها عن بقية الشبكات المشابهة وعن فايس بوك تحديدًا ؟!؟)
-أولاً ، تُوفّر هذه المنصة مشاهدة مجانية للمسلسلات والأفلام والفيديوهات لمستخدميها حول العالم ، فضلاً عن إمكانية الاستمتاع بالموسيقى ومشاركة الأغاني مجانًا
- ثانيًا ، توفير إمكانية تحويل الأموال بين الأصدقاء على المنصة ، لذلك هي مُناسبة لأصحاب الأعمال الكبيرة والصغيرة لسلاسة استهداف الجمهور عبر واجهات بسيطة وأيقونات واضحة
- ثالثًا ، والأهم أنها تتمتع بخصوصية أمن بيانات المستخدمين ، وسهولة استعادة الحساب الشخصي في حال اختراقه
وبالطبع هي كالعديد من منصات التواصل الاجتماعي ، [ تُوفّر لمستخدميها خدمات المراسلة والدردشة ، وخدمات المكالمات الصوتية ومكالمات الفيديو ، وإمكانية قراءة الأخبار ومشاركة الصور والفيديوهات والأفكار عبر الصفحات الشخصية ]
لكن ما حدث مع دوروف ، انه في عام 2014 ، تأزمت علاقته بالحكومة الروسية بعد رفضه الإمتثال لمطالبها بإغلاق مجموعات تخص المعارضة على المنصة عند اشتعال الأحداث السياسية ، وبعد تزايد الضغوطات ، غادر دوروف روسيا في نفس العام ، وباع حصته في منصة “في كيه”، وبدأ رحلة البحث عن منصة أخرى اقل تعقيدًا واكثر خصوصية ، وأخذته رحلة بحثه عن مقر لتليغرام ، إلى برلين ولندن وسنغافورة وسان فرانسيسكو قبل أن يستقر في الإمارات التي حاز على جنسيتها ، حيث يقع مقر الشركة الرئيسي الحالي لها في دبي
- فما هو تطبيق تليغرام ؟!؟
في عام 2013 ، أسس بافل دوروف تطبيق تليغرام مع شقيقه نيكولاي ، ليتحول التطبيق لمنصة عالمية معروفة بتشفيرها القوي للرسائل ، وإلتزامها بخصوصية المستخدم
وعلى سبيل المثال لا الحصر ، يقدم تليغرام ميزات مثل التشفير الكامل بين الطرفين ، والمحادثات السرية وغيرها من الميزات ، وهذا ما جعله منصة محادثات مفضلة لمن يبحثون عن تواصل آمن
نما التطبيق سريعًا ، حيث حقق في عامه الأول زُهاء 45 مليون مستخدم نشط ، ثم وصل عدد مستخدميه إلى أكثر من زهاء 900 مليون مستخدم حول العالم كإحصاء أخير في عامنا الحالي 2024 ، مع قاعدة جماهيرية كبيرة في روسيا وأوكرانيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق
ويعد تطبيق تليغرام منصة مؤثرة في تلك المناطق ، إذ تحوّل لمصدرٍ أساسي للمعلومات ، خاصة في غضون الحرب المتواصلة بين روسيا وأوكرانيا ، وغالبًا ما يوصف التطبيق بأنه “ساحة معركة افتراضية” يستخدمه الطرفان لنشر المعلومات والدعاية
ورغم شعبيته ، كان تطبيق تليغرام “مَثار جدل” متواصل بسبب سياساته في الإشراف على المحتوى ، فعامل التركيز على الخصوصية ضمن هذا التطبيق جعله منصة جذابة للنشطاء والصحفيين والمعارضين للحكومات ، لكنه تم اتهامه انه (منصة مناسبة للأنشطة الإجرامية) بهدف إثارة الشبهات حوله ، كما تعرّض التطبيق لإنتقادات حادة بإعتباره منصة لنشر المعلومات المضلّلة والمحتوى العنيف والأنشطة غير القانونية ، وهذا ما أثار مخاوف الحكومات والهيئات التنظيمية والرقابية خاصة في أوروبا ، ( ومن هذا الباب تم التربص لهذا التطبيق )
فمثلًا تعرّضت المنصة لإنتقادات متكررة لعرضها محتوى مضللًا حول الحرب الروسية الأوكرانية ، فضلاً عن حرب العدو الإسرائيلي الجارية على قطاع غزة ، ومع ذلك ، نادرًا ما يغلق تليغرام أي قنوات بدون طلب من جهات إنفاذ القانون أو الهيئات التنظيمية
وفي مقابلة مع الصحفي الأميركي تاكر كارلسون في أبريل/نيسان الماضي ، تحدث دوروف بصراحة عن الضغوطات التي تعرض لها من حكومات متعددة ، بما في ذلك محاولات السلطات الأميركية لإنشاء “باب خلفي” في تطبيق تليغرام
[إذ ذكر دوروف أن عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) حاولوا إقناع أحد مهندسيه بإدراج أدوات مفتوحة المصدر في الكود البرمجي للتطبيق تمكّنهم من التجسس على المستخدمين]
كما روى دوروف مواجهات مع عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي في المطارات وظهورهم عند منزله ، وهذا يعكس مستوى الاهتمام الذي يتلقاه التطبيق من السلطات الأميركية
كما كان تطبيق تليغرام أداة تواصل حيوية في روسيا رغم محاولات الحكومة السابقة لحظر التطبيق في البلاد ، ففي عام 2018 بدأت السلطات الروسية بحجب التطبيق ، بعد أن رفضت الشركة الامتثال لأمر قضائي بمنح أجهزة أمن الدولة إمكانية الوصول إلى رسائل مستخدميه المشفرة ، ولكن (لم يكن لهذا القرار اي تأثير ملحوظ على مدى توافر التطبيق هناك) ، لكنه أثار احتجاجات واسعة في موسكو وانتقادات من المنظمات غير الحكومية
ولكن ما حدث مؤخرًا ، أن فرنسا اثارت ضجة كبيرة الأسبوع الفائت ، حين ألقت السلطات الفرنسية القبض على بافل دوروف ، الملياردير الروسي والرئيس التنفيذي لتطبيق المراسلة الشهير “تليغرام”، في مطار لو بورجيه بالقرب من باريس وقد حظيت عملية القبض عليه باهتمام عالمي واسع
وهنا سؤال يفرض نفسه هل نجحت فرنسا بما فشلت به اميركا ، أو ان ذلك جاء تلبية لرغبة الأخيرة ؟!؟
يرتبط اعتقال دوروف في مطار لو بورجيه بتحقيق متواصل حول ممارسات وسياسات الإشراف على المحتوى في تطبيق تليغرام ، وبحسب تقارير وسائل الإعلام الفرنسية ، فإن السلطات هناك أعربت عن قلقها من أن ضعف الرقابة على المحتوى في التطبيق سمح بإنتشار الأنشطة الإجرامية بدون رادع
وفي تقرير جديد من صحيفة “لوموند” الفرنسية ، كشفت الصحيفة أن قنوات توظيف على تطبيق تليغرام تحولت إلى منصات لتسويق المخدرات في فرنسا وتوظيف مروجيها
وأضافت الصحيفة ، في تحقيق بعنوان “تجارة المخدرات ، المنصات الرقمية لبيع المخدرات تعمل بأقصى طاقتها في فصل الصيف”، أن التطبيق تحوّل إلى سوق مزدهرة لبيع المخدرات وتوظيف مروجيها
وبحسب لوموند ، فإن مثل هذه الإعلانات مؤشر على اقتصاد موازٍ بات وجوده أقرب إلى العادي ، كما يتميز بكثرة جرائم القتل المرتبطة بالمخدرات ، وأضافت أنها دليل على ميل متزايد إلى اعتماد تليغرام منصة مركزية يعرض فيها الباعة سلعهم والراغبون في توظيف “مهاراتهم”
وكانت الإتهامات حول سياسات تليغرام في الإشراف على المحتوى ، محل نقاش دائم ، فعلى عكس منصات التواصل الاجتماعي الأخرى ، تبنّى التطبيق نهجًا متساهلًا نسبيًا في الإشراف على المحتوى ، مع التركيز أكثر على خصوصية المستخدم وحرية التعبير
وقد جعله هذا النهج منصة مفضّلة بين المستخدمين الذين يبحثون عن قنوات تواصل غير خاضعة للرقابة ، خاصة في الدول التي تنتشر فيها الرقابة الحكومية
ولكن هذا الموقف جلب عليه أيضًا انتقادات من الحكومات ووكالات الأمن التي ترى أن سياسات تليغرام تسمح بإنتشار المحتوى الضار والنشاط الإجرامي
ويأتي هذا التحقيق وسط جهود الاتحاد الأوروبي لتطبيق قانون الخدمات الرقمية ، وهو تشريع يفرض متطلبات صارمة على شركات التقنية الكبرى فيما يتعلق بسياسات الإشراف على المحتوى على منصاتها
ففي مايو/أيار 2024 ، بدأت الجهات التنظيمية التقنية في الاتحاد الأوروبي بالتواصل مع تليغرام مع اقتراب المنصة من الوصول لرقم 45 مليون مستخدم داخل الاتحاد الأوروبي ، وهو ما سيخضعها لمتطلبات قانون الخدمات الرقمية الصارمة
كما يفرض القانون على المنصات ذات القاعدة الجماهيرية الكبيرة في الاتحاد الأوروبي أنظمة رقابية صارمة على المحتوى لإكتشاف وإزالة المحتوى غير القانوني ، أو مواجهة غرامات باهظة وعقوبات أخرى ضد الشركة
ختامًا ، أكد دوروف كثيرًا أن تليغرام سيظل محايدًا وبعيدًا عن أي تأثيرات جيوسياسية ، وهو موقف أكسبه مدحًا ونقدًا على حد سواء ، وان “ليس لديه ما يخفيه”
كما أعلن تطبيق تليغرام ، الأحد 25 آب 2024 ، إنه من العبث تحميله مسؤولية إساءة استخدام المنصة ، وذلك بعد ساعات من إعلان السلطات الفرنسية خبر إلقاء القبض على مؤسسه ، وتمديد اعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم مرتبطة بتطبيق المراسلة
وأضاف التطبيق في بيان عن احتجاز دوروف في فرنسا : “يلتزم تيليجرام بقوانين الاتحاد الأوروبي ، بما في ذلك قانون الخدمات الرقمية ، كما ان إشرافه على المحتوى يتماشى مع معايير الصناعة ويتحسن بإستمرار” وأضاف “نحن ننتظر حلاً سريعاً لهذا الموقف”
كما قال مصدر قريب من التحقيق إن القاضي الذي يتولى القضية مدد احتجاز دوروف إلى ما بعد مساء الأحد الماضي ويمكن أن تستمر هذه الفترة الأولية من الاحتجاز لمدة أقصاها 96 ساعة
وعندما تنتهي هذه المرحلة من الاحتجاز ، يمكن للقاضي أن يقرر إطلاق سراحه أو توجيه اتهامات إليه وحبسه احتياطيًا لفترة أطول
اما روسيا فإتهمت فرنسا برفض التعاون ، وطلبت السفارة الروسية في باريس الوصول إلى دوروف وقالت إن فرنسا “تجنبت حتى الآن التعامل” مع الوضع
في المقابل غرد ماكرون على منصة إكس يقول ان “إلقاء القبض على رئيس تليغرام على الأراضي الفرنسية تم في إطار تحقيق قضائي جار ، وهذا ليس قرارًا سياسيًا بأي حال من الأحوال ، الأمر في يد القضاء”
وقد جاء فِعل الإعتقال خلال تصاعد التوتر بين فرنسا وروسيا على مدى أشهر ، حيث اتهمت السلطات الفرنسية روسيا بمحاولة زعزعة استقرارها قبل دورة الألعاب الأولمبية في باريس ردًّا على موقفها المشدد من الحرب في أوكرانيا ، وهي ادعاءات تنفيها روسيا
(ويبقى القول انه “في السياسة لا يوجد شيء بريء” )
2024-08-28
