فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح!
غانية ملحيس*
ملخص تنفيذي
تتناول هذه الورقة النقاشية حركة فتح، ليس فقط لدورها الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة تاريخية فارقة، تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة. ما يستدعي مراجعة نقدية جادة، وإعادة تعريف للوظيفة التاريخية للحركة ومستقبلها، ولمواجهة التحديات الوجودية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
تسلط الورقة الضوء على التحول التاريخي الذي أصاب الحركة منذ الانتقال من منطق الثورة إلى منطق السلطة، وما ترتب على ذلك من إعادة تعريف لدورها داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة فتح لا يمكن اختزالها في أزمة قيادة أو تنظيم، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بالوظيفة التاريخية للحركة في سياق بنيوي استثنائي يتمثل في استمرار الاستعمار الاستيطاني وغياب السيادة الفلسطينية.
توضح الورقة أن الثورة والسلطة تمثلان منطقين سياسيين مختلفين: فالثورة تقوم على تغيير الواقع واستمداد الشرعية من الصراع، بينما تقوم السلطة على إدارة الواقع واستمداد الشرعية من الاستقرار. غير أن الإشكال لا يكمن في وجود السلطة بحد ذاته، بل في اختلال التوازن بينها وبين منطق الثورة، بما يؤدي إلى تحول السلطة إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج الانفصال بين الفعل السياسي ومصادر شرعيته.
وتشير إلى أن تجارب حركات التحرر العالمية (فيتنام، الجزائر، جنوب أفريقيا) تؤكد أن الانتقال من الثورة إلى السلطة جرى في سياق إنهاء البنية الاستعمارية، أو تحقق درجات من السيادة، وهو ما لم يتحقق في الحالة الفلسطينية. فهنا، تشكلت السلطة داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية مستمرة، ما يجعلها حالة استثنائية لا يمكن قياسها بالكامل على النماذج التاريخية السابقة.
وتخلص الورقة إلى أن هذا الوضع أدى إلى نشوء “حالة هجينة” تجمع بين إدارة الواقع تحت الاحتلال وغياب السيادة، ما أعاد تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، حيث تراجعت النخب الثورية لصالح نخب إدارية، وتحول خطاب التحرير إلى خطاب إدارة واستقرار، وتغير معيار النجاح السياسي من تحقيق التغيير إلى منع الانهيار.
كما تبرز الورقة أزمة التمثيل الوطني الناتجة عن انتقال مركز السياسة من الشعب إلى الجغرافيا، بما أدى إلى تهميش ثلثي الشعب الفلسطيني داخل مناطق1948 والشتات. وإعادة تعريف القضية الفلسطينية بشكل جزئي. وفي ضوء ذلك، تناقش الورقة إمكان إعادة بناء حركة تحرر داخل سلطة، وترجح أن الحل لا يكمن في الاندماج أو الانفصال الكامل، بل في إعادة توزيع الوظائف بين السلطة، والحركة، والحامل، ومنظمة التحرير الفلسطينية ضمن مسار صراعي تدريجي.
وتختتم الورقة بأن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة إصلاح مؤسساتي، بل أزمة إعادة تأسيس للسياسة نفسها، حيث يتحدد المستقبل بقدرة الفاعلين على الانتقال من منطق إدارة الواقع إلى منطق إعادة إنتاج شروط تغييره، وإعادة تعريف العلاقة بين الشرعية والفعل السياسي داخل بنية استعمارية مستمرة.
الورقة الكاملة
فتح بين الثورة والسلطة: نحو إعادة تعريف الوظيفة التاريخية للحركة. ورقة للنقاش العام بمناسبة المؤتمر الثامن لحركة فتح
مقدمة:
تنطلق هذه الورقة من حوار فكري وطني متواصل بين مجموعة من الكتّاب والمثقفين الفلسطينيين المنشغلين بالهم الوطني، داخل فلسطين وخارجها، في لحظة تُعد من أخطر مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، خاصة في أعقاب حرب الإبادة التي اندلعت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تحولات عميقة في بنية الصراع وموازين القوى.
وقد تركزت هذه النقاشات، على نحو متزايد، حول أزمتي حركتي حماس وفتح بوصفهما الفاعلين الأكثر حضورا وتأثيرا في الحقل السياسي الفلسطيني، مع تصاعد الدعوات إلى مراجعات نقدية تتجاوز تفسير الأزمة بوصفها نتيجة أخطاء سياسية أو أزمات قيادة.
وفي هذا السياق، برز في الآونة الأخيرة تركيز خاص على حركة فتح في كتابات عدد من الباحثين والكتّاب، ليس فقط لدورها التاريخي الريادي في تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولا لارتباطها بمواقع التمثيل والسلطة والقرار السياسي، بل لاقتراب انعقاد مؤتمرها الثامن في لحظة لا تنتمي إلى السياق التنظيمي الاعتيادي، بل تتسم بانكشاف عميق في البنية السياسية الفلسطينية، وتراجع اليقينيات التي حكمت المرحلة السابقة.
فلم تعد المسألة تتعلق بتجديد الأطر التنظيمية أو إعادة توزيع المواقع داخل الحركة، بل بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه فتح اليوم، وبالموقع الذي تشغله داخل المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد شكّلت فتح منذ انطلاقتها إطارا وطنيا واسعا تجاوز فكرة الحزب التقليدي، واستند إلى تمثيل جماعي لفلسطينيين موزعين بين المخيمات والمنافي والداخل المحتل، حيث استمدت شرعيتها من قدرتها على الجمع بين الفعل الوطني، وإعادة إنتاج الهوية الجامعة، وفتح أفق سياسي للتحرر.
غير أن التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال العقود الماضية، خصوصا بعد اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية، لم تغيّر أدوات الحركة فحسب، بل أعادت تعريف وظيفتها ومجال عملها، بما يجعل من الضروري إعادة طرح أسئلة تأسيسية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية المباشرة.
لماذا هذه الورقة؟
لا تأتي هذه الورقة بوصفها دفاعا عن حركة فتح أو إدانة لها، بل محاولة لطرح سؤال أعمق: هل تعيش الحركة أزمة قيادة وتنظيم فقط، أم أزمة وظيفة تاريخية؟
إذ تنحصر معظم النقاشات الفلسطينية حول فتح بين اتجاهين: خطاب يُرجع الأزمة إلى أشخاص أو أخطاء سياسية، وخطاب يستعيد الماضي بوصفه نموذجا مكتملا ينبغي العودة إليه. غير أن كلا الاتجاهين يبقيان داخل مستوى الوصف، دون مساءلة التحول الأعمق الذي أصاب بنية الحركة ووظيفتها.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، خصوصا مع اقتراب المؤتمر الثامن، هو: ماذا يحدث لحركة تحرر حين تدخل السلطة قبل تحقق التحرير؟ وهل ما تزال قادرة على إنتاج معنى جديد لوجودها، أم أنها تدافع عن معنى انتهت شروطه التاريخية؟
أولًا: أزمة فتح ليست أزمة أفراد، بل أزمة انتقال تاريخي
أزمة حركة فتح ليست مجرد أزمة قيادة أو فساد أو تشظ تنظيمي فحسب، فهذه جميعها مظاهر سطحية لأزمة أعمق تتعلق بتحول تاريخي أصاب الحركة منذ انتقالها من منطق الثورة إلى منطق السلطة.
في مرحلة الثورة، شكّلت فتح مشروعا وطنيا مفتوحا، استمد شرعيته من الكفاح الوطني، ومن تمثيل الشتات الفلسطيني، ومن إعادة إنتاج الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها هوية جامعة تتجاوز الجغرافيا، بما أسس لمجال وطني مفتوح على التعدد والتعبئة.
غير أن قيام السلطة الفلسطينية لم يقتصر على تغيير الأدوات أو البنية التنظيمية، بل أعاد تعريف وظيفة الحركة نفسها، بحيث انتقل مركزها من إنتاج الفعل الوطني التحرري، إلى إدارة الواقع السياسي للسلطة ضمن شروط الاحتلال.
ثانيًا: الثورة والسلطة ليسا الشيء نفسه
للمزيد ..اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/93429
1/5/2026