غزة بين تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة!
وليد عبد الحي
تنطوي مقولة المفكر الايطالي “غرامشي” بتشاؤم العقل وتفاؤل الارادة على تحذير من أوهام الارتهان لنتائج التحليل العقلي للظواهر الاجتماعية والانسانية واعتبار أن المعادلة الرياضية والترابط المنطقي للمقولات الفلسفية كافية للتنبؤ بمسار حتمي لتلك الظواهر، فالنزوع الانساني للتمرد على معطيات الواقع يتوارى في اعماق التجربة الانسانية متجاوزا الهندسة العقلية لا من باب اهمالها بل من باب صبها في دورق الإرادة بالتغيير مهما كان ثقل معطيات الواقع كما تكشفه مقولات العقل، ويكفي ان نشير الى ان اغلب الثورات الكبرى ” السياسية والاجتماعية والتقنية” وظفت الحذر العقلي وأناته لصالح إرادة وقّادة وغير مستكينة تجبر العقل على تأجيج مخزونه لابداع آليات جديدة تستجيب للهفة الارادة.
فإذا انتقلنا الى المشهد في حرب غزة (طوفان الاقصى)، فان معطيات الواقع الميداني تبدو قاعدة لتشاؤم العقل ، ويكفي تامل الظواهر التالية:
1- على المستوى المحلي الفلسطيني : ثمة نقطتا ضعف قاسيتين في هذا المشهد، اولهما المعاناة الانسانية الرهيبة لسكان القطاع (قرابة 120 الف شهيد وجريح ، عدا عن المفقودين)، والنزوح المتواصل ، والنقص في كل مقومات الحياة من الماء والغذاء والدواء والوقود وانتشار الامراض والتدمير الواسع النطاق في المنازل والمرافق المختلفة، وثانيهما الطعن الغادر من سلطة التنسيق الامني وانضمامها المشين الى “كورس” تحميل المقاومة المسؤولية التامة عن كل اوزار الحرب، وتحولت هذه السلطة الى خلية أمنية تعمل طبقا لتوجيهات الاحتلال ، ولكنها تخرج علينا بين الحين والآخر بتصريحات لا تزيد عن كونها “اوراق توت” لحجب العورة ، ولعل شعورها بان التفاوض اصبح يدور بعيدا عنها ، هو ما دفعها للخروج بتصريحات مقيتة ضد المقاومة بهدف “استعادة” مكانتها في صنع السياسة الفلسطينية ، لكنها لا تستطيع تجاوز دورها كخلية أمنية تابعة للاحتلال منذ ان اختارها الاجتماع الموثق في واشنطن وتم تحديد اشخاصها بحضور شارون وبوش وكونداليزا رايس.
2- على المستوى الاقليمي ، وهنا يكفي الاشارة الى ان دول التطبيع العربية ورغم عمق وحجم المأساة في غزة لم تحرك ساكنا ، بل أنها اقرب في تصرفاتها ميدانيا الى الموقف الاسرائيلي ، كما ان بعض دول الخليج- غير المطبعة رسميا- بدأت خطوات التطبيع عبر المشاركة في المؤتمرات والسماح بعبور الطيران الاسرائيلي لأجوائها وتنامي العلاقات الاقتصادية ناهيك عن التعامل الامني والعداء المشترك لتنظيمات المقاومة وهو ما تفضحه وسائل اعلام هذه الدول.
اما دول الوساطة العربية (مصر المأزومة داخليا وقطر الواهمة بدور دبلوماسية الإنابة ) ، فهما لا في العير ولا في النفير، ومصر تعمل بكل جهدها لخنق المقاومة، وتساهم في الحصار بحجج لا تقنع احدا، وقطر تحاول ان تبدو وكأنها تدير المفاوضات بينما قناتها الاعلامية تروج اخبار آمريكية تحاول تطمين الفلسطينيين بقرب التوصل لصفقة، لكن نيتنياهو يدفن امالهم كل مرة بدباباته وطائراته واصراره على مواصلة المعركة وبخاصة ضد المواطنين من سكان غزة وبشكل غير مسبوق .
اما بقية الدول العربية ، فاقصى ما لديها هو الشجب والندب والخطابة…او الانغماس في مشاكلها الداخلية مثل السودان وليبيا …الخ.
3- على المستوى الدولي ، فان مواقف القوى المركزية في النظام الدولي تكشفها انماط تصويتها في الامم المتحدة، فالولايات المتحدة وبريطانيا تعادي وبشكل لا لبس فيه اي مطلب استراتيجي فلسطيني، أما بقية دول اوروبا فهي اما ممتنعة عن التصويت او متغيبة عنه ، وتسارع لفرض العقوبات على الاطراف الفلسطينية لمجرد اية مخالفة،بينما تكتفي “بعتاب” اسرائيل عن همجيتها دون اتخاذ اي اجراء فعلي، بينما تكتفي روسيا والصين ” برد فعل سياسي إيجابي” تجاه المقاومة دون تجاوز هذا الرد الي رد فعل ميداني ذي دلالة.
4- على المستوى الميداني العسكري: تمكنت اسرائيل من السيطرة حاليا على المعابر كلها، وتتواجد عسكريا داخل قطاع غزة شمالا ووسطا وجنوبا، وتتمتع بسيطرة جوية لاستهداف المنازل “المحددة” والتجمعات السكنية للضغط المعنوي على السكان، بل انها تتحكم في الوصول الاعلامي لمناطق الجرائم وتحجب قدرا كبيرا من مشاهد العنف الدموي ضد المدنيين.
5- ان اعادة الاعمار لغزة طبقا لتقديرات الامم المتحدة يحتاج لحوالي 40 مليار دولار ، وهو مبلغ ليس من السهل توفيره كما أن الدول المتبرعة ستضع شروطا سياسية تستهدف تحقيق نتائج لم تتمكن من تحقيقها بالقوة العسكرية والحصار والضغط السياسي.
بالمقابل لكل ما سبق هناك تفاؤل الإرادة الذي يتكئ على معطيات لا يجوز الاستهانة بها:
اولا: محور المقاومة الذي يعمل بوحي من الارادة الشعبية التي تتلهف لنجدة غزة ، وقد شكل الفعل لهذا المحور وجعا لا تخفيه مصادر الاحتلال من تصريحات رسمية او تحليلات لخبرائه او دراسات مراكز ابحاثه، فالتهجير لمئات آلاف المستوطنين شمالا وجنوبا، وتوقف كافة الاعمال التجارية والتعليمية والصناعية في مستوطنات الشمال والجنوب، والانفاق العسكري ، ادى الى نتائج منها:
أ- تصل التكلفة اليومية للحرب طبقا لاكثر من عشرة مصادر اسرائيلية بين 262 و 269 مليون دولار يوميا، وهو ما يعني ان مجموع نفقات الحرب حتى مطلع الشهر الحالي بلغت حوالي 74 مليار دولار.
ب- ادت الحرب الى عجز في موازنة الدولة يصل الى 35 مليار دولار او ما يعادل 6.7%.
ت- ان البقاء في قطاع غزة سيكلف في العام الواحد 5.4 مليار دولار .
ث- ادت البطالة الى التقدم بطلبات المعونة الحكومية من اكثر من 216 الف عاطل جديد عن العمل بسبب الحرب ، منهم أكثر من ٦ آلاف جريح الى جانب أهالي 806 قتلى من المدنيين.
ج- انخفاض عدد الرحلات الجوية من الخارج لإسرائيل بنسبة تصل الى حوالي 45%.
ح- ارتفاع نسبة الدين العام الى اجمالي الناتج المحلي بحوالي 3.2%.
خ- تصل قيمة المباني المتضررة في المستوطنات من هجمات محور المقاومة الى حوالي 408 ملايين دولار في الجنوب وحوالي 550 مليون دولار في مستوطنات الشمال.
د- يخسر قطاع البناء الاسرائيلي بسبب شلل الاعمال في هذا القطاع حوالي 40 مليون دولار يوميا.
ذ- تدمير القدر الاكبر من منشئات التجسس والاتصالات في الشمال نتيجة اكثر من الف و 300 هجوم لحزب الله في الشمال.
ر- الشلل في النقل البحري بخاصة من البحر الأحمر.
ثانيا الخسائر البشرية:
أ- مقتل 1641 اسرائيليا بينهم 670 عسكريا ، واصابة 15 الف و 200 اسرائيلي اصابات جسدية ونفسية( طبقا للمصادر الاسرائيلية).
ب- ارتفعت نسبة المهاجرين اليهود هجرة دائمة من فلسطين المحتلة في الشهر الاول من الحرب مقارنة بالشهر المقابل في العام الماضي بنسبة 285%، فقد هاجر في الشهر الاول من الطوفان 12 الف و 300 يهودي ، وفي الشهور اللاحقة غادر بشكل نهائي حوالي 30 الف يهودي فلسطين المحتلة. وتدل الاحصاءات الرسمية الاسرائيلية ان نسبة اليهود الذين لا يعودون بعد المغادرة ارتفعت بعد الطوفان بمعدل 21%، ومن الضروري ملاحظة ان نسبة المهاجرين من فلسطين ارتفعت خلال العام السابق على الطوفان بخاصة في فترة تزايد المظاهرات بسبب التعديلات القضائية التي اقترحتها حكومة نيتنياهو.
ثالثا: تزايد فعالية عمليات انصار الله الى حد اعلان ادارة مرفأ ايلات عن الافلاس بسبب وقف الشحن منه واليه، علما ان ذلك يمثل 28% من النقل البحري الاسرائيلي.، ومع وصول ضربات انصار الله والمقاومة العراقية الى تل ابيب ( كما جرى اليوم) ، فان الامر يزيد الوضع تعقيدا للحكومة الاسرائيلية ويعزز الضغط على المجتمع الاسرائيلي لا سيما ان عمليات انصار الله ستترك اثرها على الملاحة الدولية عبر البحر المتوسط مما يزيد الامر تعقيدا لاسرائيل.
رابعا: الارتباك الاسرائيلي في اتخاذ القرار وتصاعد الخلافات بين السياسيين وبينهم وبين العسكريين، بل وانحدار الحوار الاسرائيلي الى حد الاتهامات، ومع ضرورة الحذر من هذه الظاهرة لان لاسرائيل خبرة كبيرة في موضوع توزيع الادوار بين المسؤولين عند مواجهة مآزق مع المجتمع الدولي، لكن بعض المآزق ليست بفعل دولي بل لانها انعكاس لطبيعة البنية الاسرائيلية كما هو الحال في موضوع تجنيد الحريديم.
خامسا: الصورة الدولية لاسرائيل: فلم تتعرض اسرائيل في تاريخها كله لهذا الحجم من النقد الرسمي من الدول ومن الهيئات القضائية والقانونية الدولية الحكومية وغير الحكومية ، فطبقا للاحصاءات الاسرائيلية فان المعدل الشهري للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في العالم هو الفان و 309 مظاهرات مقابل 87 مظاهرة فقط لصالح اسرائيل، وتتعزز هذه الصورة بالنقد المتزايد لثلاث مسائل هي :
أ- تصرفات المستوطنين في الضفة الغربية والتي وصلت منذ الطوفان الى الف و 636 اعتداء على الافراد المدنيين والممتلكات والأماكن المقدسة
ب- تزايد الرفض الاسرائيلي لحل الدولتين ، فقد تراجع التاييد لهذا الحل بين الاسرائيليين من 2018 الى 2024 بنسبة 23%( كان التأييد عام 2018 حوالي 58% وتراجع الشهر الماضي الى 35%)، ولعل تصويت الكنيسيت الاسرائيلي ضد هذا الحل في الايام الماضية هو تعبير عن استشعار ضغط دولي سيطرح عاجلا او آجلا بهذا الاتجاه ، وهو مأزق ستواجهه الادارة الاسرائيلية وقد ينعكس على اوضاعها الداخلية بمزيد من الاضطراب.
ت- تزايد نسبة الدول التي تصوت لصالح وقف القتال من 121 بعد شهرين من الحرب الى 153 دولة حاليا.
سادسا: رغم المعاناة غير المسبوقة التي يعيشها سكان قطاع غزة فان شعبية المقاومة عرفت تصاعدا واضحا طبقا لاستطلاعات رأي (غربية لا عربية)،فالتاييد للمقاومة لقيامها بالطوفان في غزة تصل 71% مقابل 7% يلومون حماس على القيام به، وفي الضفة الغربية زادت معارضة سياسات سلطة التنسيق الامني من 76% الى 81% خلال الطوفان ..وتجمع هذه الاستطلاعات على ان المجتمع الفلسطيني يساند مقاومته بشكل واضح ، وهو ما يفشل كل محاولات الاطراف الدولية والعربية والاسرائيلية لاحلال سلطة بديلة للمقاومة في القطاع.
سابعا: الإدارة الفذة للعمل العسكري من قبل المقاومة رغم تواضع امكانياتها مقارنة بما لدى عدوها، وهو ما ادى الى عدم القدرة الاسرائيلية على كسر الارادة لدى المقاتل الفلسطيني، واستمرار تواجده في الميدان، الى جانب الفشل الاسرائيلي حتى في تحديد اماكن الاسرى ناهيك عن فشل صارخ في انقاذهم .
الموازنة بين العقل والارادة:
من الضروري عدم التعالي على معطيات العقل التي اوردناها، ولكن لا بد للعقل من التواضع امام الارادة، وهو ما يستوجب سؤالا جوهريا هو: لماذا تزايد التاييد للمقاومة بعد الطوفان رغم كل الالم والمعاناة والحصار العربي ؟ لا يمكن للحساب العقلي الشكلي ان يفسر ذلك، فالتفسير يكمن في الارادة، فكما اثبت الفيلسوف الألماني ” نيتشة” الارادة بالقبض بكفه على قطعة حديد ملتهبة ليثبت ان الانسان ارادة، فان الشعب الفلسطيني يعزز هذه النظرية ويجبر العقل على تواضعه او تهذيب معناه، وهو ما يستوجب على احرار العالم شحن الارادة بالمزيد، وتهذيب العقل تحت قاعدة ان الشعوب تنتصر بالارادة إذا اجبرت العقل على “التهذيب”، فلم تنتصر فييتنام والجزائر وجنوب افريقيا وافغانستان وكوبا واليمن والصين والهند وغيرها الكثير إلا بغرس عقلي في تربة الإرادة….
2024-07-20