غزة بين الإبادة والوصاية: مشروع نهاية القضية الفلسطينية بصياغة إنسانية!
بقلم خالد صالح عطية
ليس مجرد اقتراحٍ تقني أو خريطة إعادة إعمار؛ ما أُعلن على أنه «خطة شاملة لإنهاء الصراع في غزة» يقرأ، من منظور بنيوي، كآلية مُصاغة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني تحت سقفٍ جديد للهيمنة. النص لا يكتفي بتقديم حلول إنسانية مزعومة، بل يضع أدوات عملية — إدارية وأمنية وسياسية — يمكن أن تقود فعلياً إلى تصفية بُعدٍ جوهري من القضية الفلسطينية: البعد السياسي لحق تقرير المصير. إن هذا المسار لا يُنهي الصراع بإعطاء الحقوق، بل يُحاول إنهاءه عبر تفكيك شروط الحقوق نفسها وتحويلها إلى ملفات إدارية قابلة للإدارة الأجنبية.
أولاً، منطق الفصل: الخطة تعمل على تفكيك البنية السياسية الفلسطينية عبر فصل غزة عن المسار الوطني. بند إدارة غزة بتكنوقراط فلسطيني «غير سياسي» تحت إشراف مجلس دولي، مع نزع سلاح قسري وبرامج لإعادة دمج المقاتلين، ليس تفسيراً مجرداً للأمن؛ إنه عملية فصل سياسي. عندما تُقلع السلطة السياسية المُمثِّلة عن أرضها وتُحل محلها إدارة مُشكَّلة من تقنيين وراعٍ خارجي، تتحول علاقة الشعب بحقوقه من علاقة سيادة إلى علاقة رعاية. هذهِ هي الخطوة الأولى نحو إفراغ المطالب السياسية من مضمونها التاريخي وتحويلها إلى بنود تفاوضية على «معونات» و«إعمار».
ثانياً، منطق الشرعنة: استعمال لافت لمفردات الشرعية الدولية والتنمية يخفي آلية تقنين للوصاية. القانون الدولي والمؤسسات الأممية يمكن أن يُوظَّفا بحيث يمنحا «غطاءً قانونياً» لوجود طويل الأمد لهيئات رقابية خارجية تفرض نماذج اقتصادية واجتماعية لا يصنعها الشعب، بل تُصاغ له. عندئذٍ لا تُنقذ إدانات الانتهاكات الحقوقية الشعب، بل تُحوّل تلك الإدانات إلى إجراءات إدارية يقودها مانحون ومُمولون يضعون شروطهم لعودة الخدمات وإعادة الإعمار. هكذا تتحول القوانين لوسائل ترسيخ سيطرة جديدة تُعرّف ما هو «قابل» و«غير قابل» للعودة السياسية.
ثالثاً، منطق الأمن: اقتراح قوة استقرار دولية ونزع سلاحٍ جماعي يضرب صميم إمكانية المقاومة كقوة سياسية. كل تجربة تاريخية تُظهر أن نزع السلاح لا يوقف جذور النزاع، بل يغيّر شكله ويحوّل مطالب التحرر من مطالب سياسية شرعية إلى «قضايا أمنية» تُدار من الخارج. إن تحويل غزة إلى مجال أمني مُراقَب – حيث الأمن هو مُهمة قوة دولية ومكوّن محلي ضعيف الوظيفة — يعني رسم حدودٍ ثابتة للسيادة الفلسطينية، دون ضمانات حقيقية لعودة هذا الحق لاحقاً.
رابعاً، منطق الاقتصاد كأداة تهيئة للقبول: الحديث عن «منطقة اقتصادية خاصة» و«خطة تنمية بقيادة دولية» يذكّرنا بنصوص قديمة عن «التحديث من الخارج». التنمية في هذا السياق ليست تحريراً؛ إنها تسويق لإعادة ترتيب أولويات المجتمع: بقاء على قيد الحياة الآن مقابل التخلي عن القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية غداً. في داخل هذا المعادِلة، يُعرض على السكان خيار البقاء في كيانٍ تابع أو السفر كخيارٍ «حر» — ما هو في الأساس هندسة ديموغرافية مقنّنة.
هذه الآليات، مجتمعة، تشكّل صيغة عملية لـ«إنهاء القضية» ليس عبر الاعتراف بالحقوق، بل عبر تجريدها: فصل جغرافي وسياسي، شرعنة وصاية، إماتة البُعد العسكري المقاوم كقوة تفاوضية، وإحلال اقتصادٍ مرتهن بالتمويل الخارجي. إذا نجحت هذه المركبة في فرض نفسها، فإنها ستنجح عملياً في تحويل النزاع من نزاع سياسي على أرض وسلطة إلى ملف إنساني-تنموي مدار من الخارج، حيث تُقنّن الحقوق وتُقيّد العودة.
ومع ذلك، فإن ذلك ليس مصيراً حتمياً. مواجهة هذه الاستراتيجية تتطلب قراءة بنيوية وعملية متوازنة تجمع بين المطالبة بإيقاف الإبادة الآن، وبين تأمين شروط تمنع تحويل وقف النار إلى تسليم دائم بالحقوق. من دون وقف فوري شامل وغير مشروط لإطلاق النار، تبقى حياة المدنيين رهينة تجربة تجريبية لا إنسانية. لكن وقف النار وحده، إن لم يُصَمَّم كقناعة سياسية وطنية مع ضمانات تنفيذية، قد يتحول إلى جسرٍ يعبر نحو وصاية دائمة. لذلك يجب أن يُصحب وقف النار بسجل شروط سياسية واضحة تحفظ الحد الأدنى من الحقوق.
ما الذي ينبغي فعله عملياً؟ أولاً، يجب تحويل مطلب وقف الإبادة إلى قاعدة لا تفاوض عليها: وقف فوري غير مشروط يتبعه آليات رقابة دولية شفافة وملزمة على دخول المساعدات وحماية المدنيين. ثانياً، أي إطار إداري مؤقت يجب أن يُبنى على أساس قيادة فلسطينية حقيقية ، ولا يجوز أن تُعطى الغالبية للفاعلين الخارجيين أو أن تُفقد السلطة الفلسطينية دورها الشرعي. ثالثاً، مطلوب تحشيد قانوني ودبلوماسي مُكثف: مرافعات أمام المحاكم الدولية، حملات تضامن دولية، وربط الدعم الدولي بمتطلبات حماية الحقوق وليس بآليات إخضاع سياسي. رابعاً، يجب أن تُحول التنمية من أداة هيمنة إلى أداة تمكين: برامج تُصاغ وتُدار بشراكة فلسطينية حقيقية، مع آليات تمنع التفويض الأحادي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية.
ختاماً، إن الخطر ليس في أن تُنهي هذه الخطة الصراع فحسب، بل في أن تُنهيه بطريقتها: تحويل العدالة إلى مشروع رعاية، والحقوق إلى صكوك على منّة. المواجهة هنا ليست فقط عسكرية أو ميدانية، بل هي صراع على اللغة، على الصياغة القانونية، وعلى أطر السيادة. فإذا سمح العالم أن يتحوّل طلب البقاء إلى ثمنٍ مقابل التخلي عن الحقوق، فسنكون أمام نهايةٍ عملية للقضية الفلسطينية قبل أن تكون نهاية للأمل. لذا المطلوب الآن هو خطة مضادة: لإيقاف الإبادة فوراً، وللحفاظ على شرعية حق تقرير المصير كشرط لأي حلٍّ مستدام وعادل
٣٠-٠٩-٢٠٢٥