يقص علينا الرحالة و الكاتب الاكاديمي بول ثيرو في كتابه ” مجنون الهواء الطلق “، عن قوم النوردوك الذين يعيشون في احدى جزر بحر آرو العالية التي يصعب الوصول اليها. قاوم سكان هذه الجزيرة محاولات جارتهم اندونوسيا لضمهم اليها ، كما صدوا كل من حاول غزوهم و حافظوا على استقلالهم . ولحفظ ماء الوجه ، قامت اندنوسيا بشطب هذه الجزيرة من على خارطتها . يقارن ثيرو رَدّ فِعل اندنوسيا بشأن جزيرة النوردوك ، بما كتبه “هرمان ميلفيل” في روايته ( موبي دك ) عن جزيرة ( روكوفوكو )التي ولد فيها البحار كويكيج ، احد ابطال روايته : “هذه الجزيرة غير موجودة على اية خارطة – وهذا واقع حال كل الاماكن الحقيقية ” .. وواقع حال الكثير من الشعوب التي بقيت امينة لحماية معتقداتها . النوردوك ، شعب إشتهر بشراسته ، عدالة نظام حكمه ، وعدم تأُثره بالبعثات التبشيرية او بالجنود الذين يدخلون ارضه .
الشئ التقليدي المعروف عن هذه الجزيرة : من يدخلها ، لن يخرج حياً منها و ستبتلعه ظلماتها ما لم يغادرها قبل مغيب الشمس .
هذا ما اكده لي احد ملاحي المركب الذي كنت ابحر فيه لمشاهدة ( السمك – الخنزيري ) وهو نوع من الثدييات التي تعيش في اعماق الشعاب المرجانية لمياه البحيرة الضحلة القريبة من الساحل . الشئ الثاني الذي تعلمته من هذا الصياد الذي يجوب السواحل هو اسلوب نظام الانتخابات لأختيار من سيحكمهم . بأمكان اي كان من سكان الجزيرة ، ان يرشح نفسه للأنتخابات ، و تجري للمتطوعين/ المتطوعات اختبارات لإمتحان قواهم الذهنية و البدنية ، كالركض و القفز ، التذكر ، أعادة تكرار القصائد التي تتلى عليهم ، العوم في المياه الضحلة مربوطي الايدي و الارجل ورمي اشياء ثقيلة عليهم . مسموح لنساء الروندوك المشاركة في الانتخابات ايضاً .
لا يسمح للمتطوع/ المتطوعة بالتراجع ، يتوجب عليهم المضي في الامتحان ، إلى ان يتم استبعاد قسماً منهم و الاستمرار لمن ابدى قدرة في العملية الانتقائية التي تستمر و لأشهر .
عندما يصل عدد من تم انتخابهم إلى ما يقارب الاثني عشر يتم وضعهم بأنفراد في حفر اسطوانية محكمة الغطاء ، يُطلق عليها ” غرف الجرذان” . يشارك الناخب/ الناخبة في هذه الحفرة ما يقارب الثلاثين او الاربعين جرذاً شرساً ، تطلق صرخات حادة .
لا يوجد في هذه الحفرة ضوء أو فراش ، سقفها واطئ مما يصعب على الناخب الوقوف كما و انه لن يفضل الجلوس .
يوجد ماء في حوض بمستوى ارضية الحفرة أشبه ما يكون بالبركة ، يشرب منها الناخب و الجرذ على حدٍ سواءٍ .
بعد اشهر من الاختبارات المضنية يصل بعض المرشحين/ المرشحات إلى اقصى درجات الانهاك الجسدي وتخور قواهم ، فيسقطون على ارض الحفرة لتقضمهم الجرذان الجائعة . تقام لمن يموت بهذه الطريقة ، بعض المراسيم للتعبير عن الحزن عليهم .أما اؤلئك الذين شعروا بالجوع واضطروا إلى اكل الجرذان ، فيحكم عليهم بالموت بعد اطلاق سراحهم . المرشح الناجح : هو ذلك الشخص الذي يخرج سليماً ، لم يعضه جرذ ولم يأكُلَ جرذاً إضافة على قدرته / قدرتها على التحمل و خلق حالة من التوافق و الانسجام الذهني و الجسدي مع ذاته داخل غرفة الجرذان . هذا الشخص ، يصبح رئيسهم الجديد و يطلقون عليه لقب “رئيس الجرذان “. عندما تموت / يموت الرئيس ، يعاود الشعب عملية الانتقاء المتعبة ، بنفس الطريقة و الاسلوب . تعقيب على الحكاية :
يبدو لي ان هذه الاقوام البدائية : اكثر شجاعة و جسارة و نخوة لوطنها من الناخبين العراقيين القذرين الذي دخلوا الانتخابات سابقا أو سيدخلونها لاحقاً.
مرشح النوردوك البدائي عليه ان يكون على اطلاع على ثقافته الشفاهية و ترديدها بطلاقة.. مقتدر الصدر ( قدر الله سره)لا يستطيع قراءة سطرين متتاليين ، رغم كل ما يبذله علماء اللغة العربية في الروضة الحيدرية من جهد لتحفيظه أياها و لأشهر .. تراه ينضح عرقاً ، و ينظر إلى السطور بخوف ووجل كي لا يخطئ قرائتها ، لكأنها الجني الخارج من القمقم .. لذا قرر الحزب الشيوعي العراقي تقديم يد المساعدة بأرسال عضو اللجنة المركزية جاسم الحلفي رضي الله عنه ليساعده في الحفظ و الوقوف معه على المنصة كي لا يفقد الثقة بنفسه . ومن شعره قدس الله سره :
قتال الاخوة ما من حلول ….. تركنا العدو علينا يبول
وما قاله في هذه الابيات البائسة ، حقيقية جلية : ان العدو ألانجلو – امريكي الذي احتل العراق ، يبول عليكم كل يوم وهو مرتاح الضمير .