عندما تدعم الولايات المتحدة الأكراد رداً على تركيا
شارل ابي نادر
ما يلفت نظر المراقبين في هذه الأيام، تلك المصادفة الغريبة بين التطورات الميدانية المتسارعة لمصلحة الأكراد في مدينة منبج السورية، حيث خسرتها داعش وانسحب ما تبقى من عناصرها الى مدينة جرابلس السورية الحدودية مع تركيا على ضفة الفرات الغربية، مع التحضير الجدي لهذه الوحدات الكردية للتقدّم بمواجهة أماكن سيطرة التنظيم الإرهابي في مدينة الموصل شمال العراق من جهة، والتقارب اللافت بين روسيا وتركيا المترافق مع تباعد واضح بين الأخيرة وبين الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية.
مبدئياً، كانت تحضيرات الولايات المتحدة الأميركية في المعركة ضدّ داعش تجري على قدم وساق، ولم تكن بعيدة في إعلامها وفي دبلوماسيتها العلنية وحتى في حركتها العسكرية من خلال تغطيتها الجوية وقصفها مراكز التنظيم في سورية والعراق وليبيا، وامتداداً الى دول أخرى مثل الصومال او نيجيريا واستهداف حركات اسلامية متشدّدة تعتبرها من تلك التي تدور في فلك داعش وفكرها كحركة «بوكو حرام» النيجيرية او حركة الشباب الصومالي وغيرها.
ففي العراق، أرسلت الولايات المتحدة الأميركية عدداً غير بسيط من المستشارين العسكريين ومن الخبراء المتخصّصين بمكافحة الإرهاب الى أكثر من قاعدة جوية تتمركز في مناطق حيوية واستراتيجية مناسبة لمحاربة التنظيم الإرهابي الذي ينتشر في اغلب المحافظات العراقية، وكان لقاعدة مخمور في الشمال ما بين كركوك والموصل حصة الأسد من التجهيزات العسكرية ومن الضباط والمستشارين العسكريين الأميركيين.
وفي سورية أيضاً، كانت الجدية الأميركية واضحة في دعم الأكراد لمواجهة داعش، وذلك في معارك كوباني وتل أبيض، وامتداداً الى عين عيسى في ريف الرقة الشمالي والى الشدادي في ريف الأخيرة الشرقي، وتمثل هذا الدعم عن طريق تقديم تغطية جوية فاعلة وعنيفة وعن طريق وضع وحدات هندسية ساعدت الوحدات الكردية بمختلف تسمياتها، والتي يجمعها هدف محاربة داعش وهدف الانفصال عن سورية، في عبور نهر الفرات والتمدّد غربه ومحاصرة التنظيم الإرهابي في منبج، وأيضاً عن طريق وضع الخبرات العسكرية والعتاد المتطور بتصرف هذه الوحدات ومساعدتها الدائمة المفتوحة على كلّ أنواع الدعم العسكري وخاصة في تقديم المعلومات الاستخبارية، وذلك لتأمين حماية مناطق تواجد هذه الوحدات من هجمات التنظيم الإرهابي المتواصلة، الانتحارية الإرهابية أو العسكرية الميدانية.
في الحقيقة، ما حصل في شمال شرق سورية مؤخراً، حيث تمّت سيطرة الوحدات الكردية على مدينة منبج بطريقة سريعة فاجأت المراقبين الذين واكبوا البطء في تقدّم هذه الوحدات سابقاً، والتي كانت تتبادل السيطرة مع داعش على مداخل المدينة المذكورة كافة ما عدا الشرقي منها، وبالأخص من جهتي جرابلس شمالاً والباب جنوباً، حيث بدت الأمور في بعض الأحيان وكأنّ داعش يتحكم بتلك المحاور الأساسية، وسقوط عدد غير بسيط من عناصر الوحدات الكردية بين قتيل وجريح خير دليل على ذلك، لتأتي هذه السيطرة على منبج من قبل هذه الوحدات بطريقة حاسمة وبتغطية كاسحة وعنيفة من طيران التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بشكل لم يوفر المدنيين ومراكز المؤسسات الخاصة والعامة، الامر الذي كان يتحاشاه سابقاً الأميركيون وكانوا يبرّرون عدم تفعيلهم لهذه التغطية الجوية لحرصهم على هؤلاء المدنيين وعلى تلك المنشآت.
كما أنّ ما يحصل من تحضيرات جدية في الميدان العراقي بمواجهة الموصل، والذي يحمل تسارعاً واضحاً في نقل القوى، أولاً من الجنوب باتجاه الحويجة والشرقاط، حيث سهّل الأميركيون للجيش العراقي تقدّمه ونقل وحداته، والذي كانوا قد أوقفوا اندفاعته سابقاً من خلال تدخل وزير الحرب الأميركي عبر زيارته الفجائية الى العراق عشية التقدّم الصاعق للجيش العراقي والسيطرة على قاعدة القيارة الجوية، حيث كان ينتشر التنظيم الإرهابي في خط مدافعة استراتيجي عن الموصل، وثانياً حول ما يحصل من تسارع وجدية في انتشار وتقدم وحدات البشمركة الوحدات العسكرية لكردستان العراق من اتجاه مخمور جنوب شرق الموصل، وذلك بدعم وتسهيل أميركي واضح، يتمثل بتغطية جوية فاعلة على مراكز انتشار داعش ما بين بعشيقة، حيث تتواجد وحدات تركية معزولة التأثير حالياً من خلال تفعيل التواجد العسكري الأميركي القريب منها بمواجهة مداخل الموصل الشرقية وتخوم كركوك من اتجاه مخمور من جهة جنوب شرق الموصل.
هذا التبدّل الأميركي لناحية تفعيل الإجراءات العسكرية والميدانية المباشرة في كلّ من العراق وسورية عبر وحداتها الجوية أو البرية المتخصصة بمكافحة الإرهاب، أو غير المباشرة من خلال تسهيل تقدّم الجيش العراقي والبشمركة وتحييد أو عزل التأثير التركي عن تلك الميادين، في بعشيقة العراق كما ذكرنا، أو في شمال وشمال شرق سورية، والذي كان سابقاً ينشط برعاية أميركية، لا بدّ أن يكون رداً على التقارب الروسي التركي، والذي يعتبر الأميركيون أنه قد حصل على خلفية تباعدهم مع الأتراك عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي استهدفت أردوغان، والتي أحدثت شرخاً دبلوماسياً كبيراً الى حدّ اتهام الأتراك الصريح للولايات المتحدة الأميركية بدعمها وبتغطيتها المخططين لهذه المحاولة الانقلابية، وعلى رأسهم المعارض التركي فتح الله غولن المتواجد في الولايات المتحدة الأميركية، والذي يسبب حالياً موضوع طلب استرداده توتراً ديبلوماسياً وسياسياً يتصاعد بشكل ينذر بتداعيات خطيرة في العلاقات بين البلدين.
إنها في النهاية حرب المصالح بين دول، لم تكن أساساً سياساتها إلا خدمة لتلك المصالح، بمعزل عن المبادئ وحقوق الإنسان وأمن الدول والشعوب، وستبقى حدود هذا الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وبين تركيا محصورة بتأمين هذه المصالح التي، عندما كانت مؤمّنة من خلال استغلال الإرهاب، رأينا كيف كانت الدولتان المذكورتان تتسابقان على خلق ورعاية ومساندة داعش وباقي المجموعات الإرهابية، وعندما بدأ دعم هذا الإرهاب يؤثر سلباً على مكانة ومصداقية ومصالح الدولتين، او عندما بدأ هذا الإرهاب يشكل خطراً على مجتمعاتها وعلى أمنها، بدأت تتسابق وبطريقة خبيثة على محاربته وعلى التضييق عليه في تمويله وفي تسليحه وفي انتقال وانتشار عناصره.
عميد متقاعد
2016-08-17