عملية طوفان الأقصى!

رنا علوان
تعتبر عملية طوفان الاقصى بميزتها المباغتة ، التي نفذتها المقاومة أمس في قطاع غزة ، عملية ذات جوهر استراتيجي مهم ، سعت من خلالها الى فرض معادلة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الصراع ، وبمثابة تغيير جذري في معادلة المواجهة مع الاحتلال
ما فرضته المقاومة بالأمس هو فعلاً تحول نوعي في طبيعة المعادلة ، ليس في غزة فقط ، بل على صعيد معادلة الصراع العربي الصهيوني ، حيث خلقت فيه واقعًا جديدًا يتجاوز كل ما بنته المنظومة الصهيونية عبر عقود سوقت فيها لأساطير الجيش الذي لا يُهزم ، ومعادلات الردع ، حتى على الصعيد السيبراني ، فقد سخر إدوارد سنودن -وهو محلل نظم عمل في وكالة الأمن القومي الأميركي- من حكومة بنيامين نتنياهو بعد عملية طوفان الأقصى التي بدأتها كتائب الشهيد عز الدين القسام
حيث قال سنودن في منشور له على منصة إكس (تويتر سابقا) إن نتنياهو قام برعاية “صناعة تقدر قيمتها مليارات الدولارات من بيع أدوات التجسس إلى الطغاة الذين يستخدمونها لاختراق أجهزة الآيفون الخاصة بالنقاد” في إشارة إلى برمجية التجسس الشهير بيغاسوس، وأوضح أن هذا البرنامج تم استخدامه على “المعارضين المنتخبين، ومحامي حقوق الإنسان، وحتى الطلاب (وهذه كلها أمثلة حقيقية)” وختم بالقول “اتضح أنها ليست مفيدة جدا للتجسس على حماس”
لقد حولت المقاومة كل هذه الأساطير إلى سراب ، واظهرت هشاشة هذا الكيان ، عبر عملية تكتيكية امتازت بالسرية القصوى ، والصمت الاستراتيجي ،ونجحت فيها في التعتيم على هذه الضربة النوعية ، ونقلت الاشتباك إلى داخل الأراضي المحتلة ، وخاضت عملية استنزاف داخل صفوف العدو وفتحت جيوب اشتباك لا يمكن حصرها
[ما جعلها تسقط اي احتمال لاستخدام سلاح الجو الذي يتفوق فيه الاحتلال ، وذلك بسبب الالتحام المباشر مع أماكن تواجد المستوطنين وجنود الاحتلال]
كما يجمع المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون على أن الوضع الحالي ، الذي أسر فيه عشرات الجنود والمستوطنين ، بينهم ضباط كبار في الجيش، يختلف عن أي حالة سابقة ، وقد يستغرق حله وقتًا طويلاً
ما تمكنت منه المقاومة في هذه العملية من خطفها لعدد كبير من الجنود والمستوطنين ، [جزء كبير مهم على قيد الحياة] ، يعطيها تفوقًا تفاوضيًا جوهريًا سينعكس على وتيرة سير المعركة من جانب ، ومن جانب آخر سيُمكنها من الوفاء بوعدها بإنهاء ملف الأسرى وتبييض السجون بهذا العدد الكبير من الأسرى الموجودين بجعبتها
وقد صرّح إيلان لوتان ، المسؤول السابق في الشاباك: “بحسب الصور التي رأيناها على الشبكات ، هؤلاء أطفال مسنين. لا أتذكر مثل هذا الحدث ، لا أتذكر مطلقًا مثل هذه المجموعة الواسعة من المختطفين”
ووفقا له ، “في حروب إسرائيل ، عندما يتعلق الأمر بالمقاتلين الأسرى ، أجريت عملية لتبادل الأسرى مع الصليب الأحمر والوكالات الأخرى ، ولكن هنا شيء من عالم مختلف ، وأيضًا في حالات أخرى أمام غزة مثل جلعاد شاليط ، كان هناك وسطاء ، مثل الوسيط الألماني والمصريين ، وغيرهم ، هذا غير موجود هنا”
ما اظهرته الليلة الماضية ، يُظهر عدم تلقف العدو للصدنة بعد ، فقد بدا عاجزًا حرفيًا ، بل هو كالغريق الذي يستنجد ، وان خيارات حكومة الاحتلال بالرد ، هي خيارات محدودة ، لاعتبارات أهمها [الاستنزاف الكبير الذي يعاني منه جيش الاحتلال مسبقًا بسبب الاستنفار المستمر منذ أشهر على ثلاث جبهات ، شمال فلسطين المحتلة وجنوبها ، وفي الضفة المحتلة]
فضلاً عن عدم جهوزية الخطط العملياتية وتضرر الكفاءة بسبب الأزمة الداخلية ورفض الخدمة في قوات الاحتياط ، وكون الضربة مباغتة في توقيت حساس يعاني منه الكيان والائتلاف الحكومي أزمات مركبة ، وانهيار اقتصادي متصاعد ، ستؤدي المعركة الحالية لتفاقمه ، وأن خيارات الاحتلال كلها ستجلب له ثمنًا باهضًا ولن يكون هناك عصا سحرية يمكن عبرها احتواء آثار الضربة الاستراتيجية للمقاومة
وقد نشرت صحيفة يديعوت احرونوت مقال بعنوان [ اصبح تاريخ السابع من تشرين الاول /اكتوبر /2023 عارًا كبيرًا ، لم يعرفه الجيش الإسرائيلي طوال حياته ] وذلك لعدة اسباب
أول عار كان الاستخبارات
والثاني هو السهولة التي قفز بها مقاتلو حماس من فوق الجدار
والثالث عادوا بسهولة إلى غزة مع عشرات الأسرى
والرابع هو البطء الذي رد به الجيش الإسرائيلي على التسلل [فالعشرات من المقاتلين يتجولون في معسكرات المدرعات كما لو كانوا في بيتهم ، ولا توجد مروحية هجومية يمكنها إطلاق النار عليهم ، لنفترض أن فشل يوم الغفران أدى لعدد أكبر من القتلى ، وهذا صحيح بالطبع ، ولكن في كيبور 73 واجهنا أعظم الجيوش العربية ، وليس منظمة من المستوى الثاني
[ إن المهام التي سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يؤديها في الأيام المقبلة معقدة ]
لقد نفذت المقاومة المرحلة الأولى من ضربتها ، ولم تستخدم بعد كل ما في جعبتها ، سواء في جبهة غزة ، أو الجبهات الأخرى التي أضحت خلال الأشهر الأخيرة أكثر جاهزية وأكثر قدرة على المساهمة الفاعلة في معادلات المواجهة والاشتباك
ما جرى بالأمس هو بمثابة وضع اعمدة اساس لمرحلة جديدة لا مجرد جولة تنتهي بانتهاء جولة القتال فيها ، بل هو حدث له ما بعده في كل مقايس المعادلة الفلسطينية وسيفرض قواعد جديدة في الصراع مع الاحتلال ، وسينزع اجهزة الانعاش عن هذا الكيان ، وقد يحقق انتصاره الكبير ايضًا في مدة زمنية قصيرة ، لانه تمكن من خلق مرحلة نوعية في كسر شوكة الاحتلال والتصدي لمخططات (التصفية للحكومة الفاشية بقيادة نتنياهو- سموتيرتيش- بن غفير)
فحين نقرأ اعترافاتهم التي تقول
[أقوى جيش في الشرق الأوسط وأحد أكثر الجيوش تقديرًا في العالم ، استيقظ أمس على مفاجأة كاملة ، لقد تحطمت في وجوهنا كل التقديرات التي تقول إن حماس “مردوعة” وغير معنية بالحرب وتريد أن تحكم قطاع غزة ولا تنزلق إلى الصراع ، الصورة الاستخبارية التي سيطرت على المنظومة ، والتي أدت إلى نقل القوات من غزة إلى الضفة الغربية المشتعلة ، تبين أنها خاطئة من الأساس ، وثمن هذا الخطأ حدث لم نعرف مثله في الجيل الماضي]
وهذا دليل ان جنود الاحتلال فقدوا ثقتهم ، وهذا امر في غاية الأهمية
2023-10-08