عزل ترمب يستحضر عزل كلنتن: لعبة المال والسياسة في أمريكا!
مصطفي الفيتوري .
في مقالة نشرتها قبل أنتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 تنبأت بفوز ترمب وفي مقابلة معي على قناة فرنسا 24 أثر فوزه توقعت الا يستمر في الرئاسة! وهذة الأيام أتابع بدقة تفاصيل محاولة عزله قانونيا وقد أنتهت المرحلة الثانية من العملية السياسية-القانونية لذلك. وأثناء ذلك تذكرت كيف تابعت بأهتمام بالغ تفاصيل محاولة عزل بل كلنتن قبله بداية من قصة العقارات الي قصة الجميلة مونيكا لونسكي. فشلت حكاية العقارات في أدانته ولكنها كشفت حكاية مونيكا الحلوة. في حالة ترمب فشل المحقق ملر في كشف اي أدانة لترمب بالتعاون مع روسيا للفوز بالرئاسة ــ وان كان التحقيق قد أفضى الي سجن حفنة من معاوني ترمب وأحبابه ــ ولكنها كشفت قصة أبتزاز أوكرانيا وهذا ما قاد الي اطلاق عملية عزله قانونيا!
طبعا النتيجة معروفة مسبقا وهي/ أن ترمب لن يُعزله! لماذا؟ ببساطة لأن عملية المحاكمة لعزله (بأنتظار تحديد موعدها) ستتم في مجلس الشيوخ بكامل أعضائه المائة حيث يترأس “كبير” قضاة المحكمة العليا الجلسة ويقوم الشيوخ بعمل المدعي العام وحين تنتهي المداولات يصوت الشيوخ على ادانة الرئيس أو براءته. ولأن أغلبية الشيوخ جمهوريين، اي من حزب الرئيس، وعزل الرئيس يحتاج الي ثلثي الأصوات فلن يتم عزله ولا أدانته لأن الآدانة تعني عزله والبرأءة تعني استمراره وحتى ترشحه مرة أخرى! وبما أن كبير القضاة الحالي، جون روبرتس، هو يميني محافظ عينه بوش الأبن – طبعا قضاة المحمكة العليا يعينهم الرئيس ولا يخضعون له ولا يغادرون المحكمة الا بالموت او العزل أو العجز وليسو مجبرين على التقاعد— فمن غير المتوقع أن يقسو على ترمب!
أن أٌدين ترمب سيتولى نائبه بنس مهام الرئيس ويمكن ان يعفو عنه بل ويمكنه ان يعيده الي البيت الأبيض كنائب رئيس!!
من عمالقة المحكمة العليا ــ وهي اخر أثنين من الليبراليين فيها ــ القاضية روّث بدر غنزبرغ (عينها كلنتن عام 93) وتبلغ الآن من العمر أكثر من 86 سنة ولازالت في المحكمة! سمعتها أمس في لقاء نادر ومما قالته أن اي شيخ سبق محاكمة الرئيس في مجلس الشيوخ بأعلان رفضه لها يجب أن يتم منعه من المشاركة في المحاكمة!! لو أن هذا يحدث حينها يمكن أن يصبح عزل ترمب أحتمالا حقيقيا و واقعيا! ولكن القاضية غنزبرغ لن تترأس الجلسة في مجلس الشيوخ وبالتالي لا ثأثير لها على سيرها اللهم الا اذا تبني جون روبرتس موقفها ولكن هذا مستبعد!
لطالما كنت مبهورا بتنوع المجتمع الأمريكي ومأخودا به قدر شغفي بتركيبة السلطة في أمريكا وخاصة أليات الحكم وأليات محاسبة المسئولين من الرئيس الي أخر عميد بلدية في أصغر قرية. ومن خلال هذة التجربة أكتشفت أن “الديمقراطية” الأمريكية كثيرا ما تخذل أهلها حيث تلعب السياسة والمال لعبة موازية للعبة القانونية ــ بنفس طريقتها ودون اي شأبه ــ وهذا ما يؤدي الي خذلان المواطنيين وزعزعة ثقتهم في نظام الحكم بأسره رغم مزاياه العديدة!
فالشعب نظريا يصوت لأنتخاب الرئيس ولكن من يختار الرئيس قلة قليلة من المنتخبين بمن فيهم من فاز بصوت واحد! فالذي ربح باعداد الأصوات عام 2016 هي هلري كلنتن والذي يحكم الأن ترمب! والذي فاز بعدد الأصوات في أنتخابات عام 2000 هو أل غور والذي حكم أمريكا كان جورج بوش الأبن!
حين أتابع كل هذا – وكل ما ورد أعلاه من ذاكرتي اللهم الا بعض التواريخ –ازداد شغفا بأمريكا ولكنني لا أنسى أبدا أن اللعبة فيها لعبة المال والسياسة وأن القانون سيدها ولكنه نفس القانون الذي يمكن ان يجعل البرئ الفقير مذنبا والغني المذنب برئيا!
ولكن سيسجل التاريخ فترة ترمب بمداد خاص جدا وفي صفحة خاصة من تاريخ أمريكا كونه/ أول رئيس يحكم أقوى دولة بعقلية زعيم مافيا ورجل جاء من مواخير المال العفنة وتمكن من اللعب بالآسس الأخلاقية (نظريا على الأقل) التي بٌني عليها الدستور الأمريكي. رجل يفتقد لأبسط مفردات اللغة اللائقة برئيس وتعوزه لباقته ولا يعرف اي رادع أخلاقي ويمكن أن يتحول في لحظة الي رجل من الشارع وهو رئيس!
2019-12-20