عزبة الوالد..!
علي محسن حميد
كتبت أكثر من مرة عن فشلنا منذ عام ١٩٦٢ في بناء “الدولة” كمؤسسات تُتداول فيها السلطة وتسود فيها انتخابات حرة ونزيهة ويتمتع فيها المواطن والإعلام والنقابات ومنظمات المجتمع المدني بما فيها الأحزاب بالحرية التي لايقيدها إلا الدستور وليس هوى الحاكم، وكخطاب سياسي وطني و سلوك ومصالح( عامة) وقيم تحترم وقوانين تطبق على الكل بدون تمييز وقضاء نزيه وفصل حقيقي للسلطات وطهارة اليد واللسان الخ…. الواقع المستمر حتى اليوم يؤيد ماذهبت إليه عن استمرار غياب الدولة كما هي معروفة بوظائفها الفعالة لتحقيق مصالح الكل عند الغير . والنتيجة هي مانحن فيه من فشل بلغ حد تصنيف اليمن قبل عقد ونصف تقريبا بالدولة شبه الفاشلة وبالملاذ الآمن للإرهاب. يضاف إلى ماسبق فهم ضيق للدولة يركز على رئيسها ” الرمز” عوضا عن الدستور والمؤسسات الفاعلة والإنجازات الفعلية . أدى ذلك إلى “حُب” الدولة أوالسلطة أو كرهها بناء على مصالح يجنيها البعض أو يحرم منها أولانتماء الرئيس إلى منطقتهم أو مذهبهم حتى ولو لم يحصلوا منه على أي مغنم. منذ عام ١٩٦٢ وإبن رئيس الجمهورية يعتبر نفسه الرئيس في الظل وأستثني فترتي القاضي عبدالرحمن الإرياني والشهيد إبراهيم الحمدي . الرئيس في أي دولة ديمقراطية لايصحب إلا أولاده القُصّر للعيش معه في دار السكن الرسمي وليس الراشدين منهم سنا وغير الرشيدين سلوكا ولا أقصد هنا المعنى الأخلاقي للكلمة. السيد هانتر بايدن المحكوم عليه بالسجن لعدة تهم منها المخدرات والتهرب الضريبي لم يعش في البيت الأبيض مع والده وأخت الرئيس اوباما المقيمة في امريكا لم تعش في البيت الأبيض مع أخيها الرئيس على حساب دافعي الضرائب كما أن اوباما من باب الطاعة لم يفكر بدعوة جدته من كينيا للعيش معه في البيت الأبيض لتنعم ببعض ماهو فيه من رغد العيش لأن دافع الضرائب لن يسكت. أماعندنا فالرئيس يجعل أنجاله وأقاربه مستشارين له وصانعي قرار في الظل. هؤلاء تسميهم سارة فيليبس في كتابها ” اليمن وسياسات الأزمات الدائمة “الصادر عام ٢٠١١ ب ” الدائرة الداخلية” المكونة من دائرة الرئيس ودائرة الأنجال وأبناء الأخ وبعض الأقارب المختارين وثلاث دوائر أخرى أكبرفي العدد تضم أصحاب المصالح. في الديمقراطيات لايسمح للراشدين من أبناء الرئيس العيش معه لاحتمال تضارب مصالحهم مع المصالح العامة ولأن الإنفاق عليهم سيكون من المال العام. عندنا تؤدي هذه
الر فقة إلى أن يُمارس الفساد والمحسوبية قرب وسادة الرئيس وغالبا بعلمه رغم قسمه الدستوري على المحافظة على مصالح البلاد والعباد. في ١٨ نوفمبر الجاري نشر أحد المواقع صورة لنجل الرئيس الحالي وعلى يمينه ويساره نجليه بمناسبة تخرج أحدهما من كلية الاقتصاد بجامعة تومسون ريفرز بكندا وتخرج الثاني من الكلية الحربية الأردنية. الصورة أخذت في مقر رسمي لأن في خلفيتها صورة الوالد – الرئيس والعلم الجمهوري. هذا المكان ليس متاحا في الوطن الذي يغيب فيه مبدأ المواطنة المتساوية، لكل مواطن ليأخذ صورة تذكارية فيه. لهذا السبب يجب إعمال هذا المبدأ في كل مناحي الحياة صغيرها وكبيرها ومن يفرط بما قد يراه صغيرا سيفرط بما هو أكبر منه.
إن الصورة والمكان يؤكدان غياب مفهوم الدولة حتى لدى النخب واستمرار عدم الفصل بين الأسرة وبين الوالد- الرئيس. هذا السلوك استمرار لثقافة يسهو عن ملاحظتها ونقدها دعاة الدولة المدنية والشفافية في الحكم ونزاهة الحاكم وطهارة قلبه ويده ولسانه وهوتجسيد حي للفشل المزمن للفصل بين السلطات وبين الوالد – الرئيس وبين الأنجال الراشدين. الاستسهال واللامبالة العامين السائدين لدينا يفتحان الأبواب لما هو أكبر طالما أن الرئيس منذ عام ١٩٦٢ لم يخضع لأدنى رقابة أومحاسبة كموظف عام يتقاضى مرتبه لخدمة الناس ولفترة دستورية محددة عصية على الكسر.لقد
نتج عن التطور الذي استجد في عهد الرئيس الراحل صالح بتسميته بالرئيس “الرمز” أنه أصبح فوق القانون ولايحاسب. وطالما أنه كذلك فلا لارقابة على أدائه حتى ولو حنث بالقسم الدستوري وعاث في الأرض فسادا ونتج عن ذلك ضياع ٦٠ مليار دولار على الشعب الأكثر فقرا وتخلفا في العالم.
لن نستعيد الدولة ولن نبني دولة ولن تقوم للدولة قائمة بدورها الدستوري الكامل وبفعالية مؤسساتها طالما وأن الأنجال يمارسون سلطات غير دستورية ويرافقون أباءهم كظله ولاينتقدون لاهم ولا الرئيس – الوالد.
2024-11-19
