بمناسبة رحيل الروائي السوري حنا مينا.. “قصة حوار معه”
عبد الصمد بن شريف
في عام 1989 احتضنت الرباط مؤتمر وزراء الثقافة العرب كنت آنذاك أتلمس الطريق لأقطع الخطوات الأولى في مسافة الصحافة ،كنت مسكونا حد الإغراء بالأدب ،وكل ماله علاقة بالشعر والرواية والقصة والنقد ،لاسيما وأنني كنت ضمن كوكبة المبدعين والكتاب الشباب الذين أثثوا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات صفحة حوار التي كانت تصدرها جريدة العلم كل يوم أحد ،وكان مهندسها وأمين نجاحها الشاعر والصحفي نجيب خداري ،لم أكن أوقع باسمي الحقيقي ،بل باسم مستعار هو عبد الصمد العدني ،وهذا الإسم كانت له علاقة بما حدث من انهيار لليمن الجنوبي ،وماعاشته من اقتتال بين رفاق نحتوا تجربة اكتنفها الكثير من الطوباوية والضبابية والسوريالية السياسية ،تجربة كان يساريو العالم العربي يتحصنون بها ،ويغذون من خلالها أحلامهم،حتى وإن كانوا يعلمون علم اليقين أن الأمر ليس غاية في الجدية ،لكن الأشعة فوق البنفسجية للإديولوجيا ،حالت دون وقوع العين والعقل على حقيقة الأمر.
لأعود إلى مؤتمر وزراء الثقافة العرب،ولأتوقف عند حدث ظل راسخا في ذاكرتي ،كان علي أن أحقق سبقا صحفيا .وبما أنني كنت أغطي جزءا من أشغال المؤتمر على اعتبار أنني كنت محسوبا على القسم الثقافي لجريدة الميثاق الوطني التي لم تعد على قيد الحياة ، والتي كان يديرها الصحفي المقتدر مصطفى اليزناسني ، راهنت على إجراء حوار مع الروائي السوري الكبير حنا مينا،صاحب متون روائية أتاحت للقارئ العربي متعة لاحدود لها وحركت بدواخله أسئلة مقلقة ،وأستحضر هنا ، أننا كنا نتهافت داخل السجن المدني بوجدة وعلى مدى ثلاث سنوات ،على رواياته التي كنا نجد فيها امتدادات لهمومنا وانشغالاتنا .
كان حنا مينا يقيم بفندق هيلتون “سوفيتيل “حاليا ،والوصول إليه كانت مهمة في أقصى درجات الصعوبة ،وأعترف أنني ذهبت إلى الفندق ماشيا على الأقدام ،لم يكن لدي من المال ما أدفع به ثمن سيارة اجرة ،خاصة وأن الحوار لم يبرمج ضمن مهمة مؤسساتية ،بل كان مبادرة مني ،ولما عبرت الباب الرئيس للفندق ،توجهت إلى مصلحة الاستقبال ‘ حيث طلبت منهم رقم غرفة الروائي حنا مينا ،بعد أن تعرف القيمون على المصلحة على هويتي ،علما أن صحيفة الميثاق الوطني كانت ناطقة باسم التجمع الوطني للأحرار الذي كان الوزير محمد بن عيسى منتميا إليه.توجهت إلى حيث توجد الهواتف الخاصة بالاتصال بغرف النزلاء،ركبت رقم غرفة الروائي حنا مينا ،شعرت بالارتباك وبنشوة في نفس الوقت ،قال لي من المتحدث معي ؟
أجبت.. شخص توجد بينك وبينه عدة قواسم مشتركة ،ويعرفك عن قرب ويخبر عوالمك ومساراتك. بهذه العفوية التي داهمتني من حيث لاأدري ،خاطبت هرما روائيا في مستوى حنا مينا، طلبت إجراء مقابلة معه حول تجربته ،كان الوقت حوالي منتصف النهار ،فقبل وطلب مني أن أعود إليه في المساء.
من المؤكد أنه لم تكن تقبع بذهنه أية صورة أو فكرة عن هذا الذي سيحاوره اللهم صفة الصحفي واسم المؤسسة .
كان علي أن أحضر الأسئلة بشكل جيد ،وأن أثير بعض قضايا الساعة وأخرى ترتبط بالوجود والذات والمرأة والحب إلخ …
في المساء عدت إلى فندق هيلتون ،وأنا تحت سطوة شكوك وهواجس مختلفة ،مردها أن يتراجع حنا مينا عن وعده ،فأصاب الإحباط،لكن عندما اتجهت إلى غرفته وطرقت الباب ،أطل علي ذاك الروائي بكاريزميته وسلطته الرمزية،رحب بي بكل حب واحترام ، لكن كانت علامات التعجب مرتسمة على وجهه ،ولم يصمت طويلا ،حيث قال : أنت الذي تتقاسم معي قواسم مشتركة كييف ،وأنت مازلت شابا يافعا .لكن كلامه كان ممزوجا بابتسامات عكست حالة من الارتياح .
ولكي أجعله في وضع مريح ،قلت له أنت تعذبت وسجنت وناضلت وكافحت ،وبدأت فتوحاتك الروائية بكتابة الرسائل في الحي مقابل مكافأة زهيدة ،وأنا ينطبق علي نفس الشيء،غير أنني لست روائيا ،بل قارئا للرواية بما فيها رواياتك، وبدأت أسرد عددا من عناوين مؤلفاته ،وفجأة اقتحمت علينا الغرفة وزيرة الثقافة السورية آنذاك نجاح العطار ،كان يبدو أمامها مدللا وصاحب قيمة اعتبارية واضحة ،وكانت هي تشعره بتقديرها له ،إدراكا منها أنه ثروة وطنية ومعلمة لاتضاهى. بدأنا الحوار بحضور الوزيرة ،وكان حنا مينا وهو يتحدث‘ لايفارق سيجارته الطويلة وبين الفينة والأخرى يرشف القهوة،وحدث أن طوقته بأسئلة فيها الكثير من السياسة والايدولوجيا ،فبادرني قائلا وبلهجة متوترة اسألني عن تجربتي ،فما كان علي سوى الاستجابة لطلبه ،ورغم فارق السن حيث كان بمثابة الجد بالنسبة لي ،فقد مر الحوار في جو مريح .ودعته بعد أن شكرته ،خرجت من الفندق مزهوا كالطاووس،منحت أقدامي للريح ،لم أشعر لا بالتعب ولا بطول المسافة التي تفصل بين الفندق وبين منزلي في حي المحيط بالرباط .للتو شرعت في إفراغ الشريط ،ولم استسلم للنوم حتى انتهيت من هذه العملية المرهقة ،في الغد توجهت إلى مقر الميثاق الوطني بزنقة اللاووس خلف لاسافط وقتئذ وبحوزتي صيد ثمين ،أخبرت الزميل والصديق بوشعيب الضبار الذي كان يتولى منصب رئيس التحرير،بأنني أجريت مقابلة مع الروائي حنا مينا ،وبسرعة رد علي وهو الذي كان يعشق ومازال الفن والأدب ، يجب أن نعلن بحروف بارزة في الصفحة الأولى لعدد الجمعة أن الملحق الثقافي لصحيفة الميثاق يجري حوار مطولا مع الروائي السوري الكبير حنا مينا ،وكذلك حصل .
ولما خرج الحوار ،كنت أتجول في شارع محمد الخامس بالعاصمة ،توجهت إلى بائع الجرائد قرب مقهى لاكوميدي ،اشتريت منه أكثر من نسخة ،لأحتفظ بتلك الخبطة ،التي شحنتني بطاقة مازالت لم تستنزف حتى الآن .
2018-08-22
