عائد الى كربلاء !
عزيز الدفاعي.
ا(لى روح الشهيد المغدور صادق الدفاعي وكل الضحايا الابرياء الذين طالتهم يد الغدر والإرهاب الطائفي)
مرت عشره اعوام ونيف …تأريخ مولدك استخرجناه من شهادة الميلاد رغم بقعة الدم الحمراء التي جفت عليها …أما موعد تنفيذ حكم الاعدام بك وابن عمك فلا نزال نجهله ونتمنى على من أعدموك غيلة وهم احرار طلقاء الان في الفلوجه أن يتكرموا علينا به .
اعرف فقط انه يوم سبق بأيام أربعينية الإمام الحسين الشهيد الذي لازال هتاف نادبيه وأنصاره من الفقراء المسالمين يرعبهم …أتذكر حينها أن عاصفة رمليه صفراء غطت أعمدة الكهرباء وأشجار النخيل وكانت تعوي مثل قطيع من الذئاب الرمادية التي اعتادت الغدر ليلا بالهاربين من ارض السواد أو العائدين اليها للقاء من فارقوهم قبل عقود .
كانت تلك الأجساد المنهكة الحزينة تنهال بأيديها لطما بإيقاع واحد على أضلع تركت عليها سياط الجلادين وإسفلت الزنزانات المظلمة أخاديد نمت من بينها أغصان الياس والدفلى وراحت تأن وجعا مع صوت باسم الكربلائي وكأنها تريد أن تبعث برسالة ذات مغزى إلى الطرف الأخرالذباح (نأتيك زحفا سيدي يا حسين ….لو قطعوا أرجلنا واليدين) ….
.صادقا كنت مثلما هو اسمك فقد جئت أمامك مبايعا من مونتريال حتى كربلاء لكنهم أوقفوك وصلبوك مع ابن عمي الاخر في الكيلو 160 لأنهم يشمون رائحة الدم مثل الكواسج …أي عشق هذا لم يفقهه الحلاج وابن عربي وجيفارا .
كانوا كرماء معنا شيوخهم (ساومونا بالمال )على جسديكما بعد ان سلبوا الروح التي عادت إلى بارئها راضية مرضية وكانت تلك الطقوس جزءا من ارثهم البدوي فقد دفع الآلاف من العراقيين ثمن الرصاصات التي كان يعدم بها أبنائهم لأنهم رفضوا الاشتراك بمغامرات وحروب فرعون العراق …
لازالت أمي لغايه اليوم لا تعلم انك رحلت عن دنيانا وتركت ابنتها أرملة مع ثلاثة أطفال صغار لأننا نخشى عليها من الصدمة فلم يترك رحيل المقربين ومبضع الجراح موضعا في جسدها إلا وعانقه
محمد علي الذي تركته رضيعا اصبح في الصف السابع لكن الصدى الفرحه كان له دوي سقوط الأجساد والأنين وحرقة الشهيق المكتوم الذي اعتادته شقيقتي ضمن طقوسها اليومية بين جدران المنزل القصي المسور بالظلام والوحشة بينما لازال نار الموقد الذي أشعلته قبل توجهك للمطار يبعث الدفء بالجدران والستائر الرمادية التي تألفت مع لون السواد الذي ضم العراقيين حيثما حلوا منذ الخليقة وحتى اليوم …كأنها اللعنة أو القدر الأزلي .
قالت لك شقيقتي هدى : أتوسل إليك يا صادق لا ترحل ..لا تتركني وكتلة اللحم الآدمي وحيدة .
عودتنا تلك الليالي أن نرثيها وترثينا ..أن تبكينا ونعاندها ونطير فوق سماوات ملبدة بالغيوم مثل نورس مفزوع هام خائفا وطار لقرون في أفق وبحار عاصفة ممطرة ..وحين أبصر صارية زورق حط عليها فلم يمهله الصيادون ..انقضوا عليه ب(فاله)مزقت قلبه وتناثر ريشه مصبوغا بالدم قرب جناحيه المنكسرين ……..
.مرت اعوام يا ابا فدك لا أتذكر بالتحديد ولازال يقلقني إنني لم اعرف حتى اليوم أي تأريخ اكتب في شهادة وفاتك الرسمية التي بقيت المترجمة في السفاره الكنديه في عمان حائرة بين كلمة الاستشهاد والموت لان الأولى روحية أخلاقية والأخرى مفردة حكومية رسمية… وبين خطاب الروح وخطاب السياسة فاصلة وتساءل محير لا يفقهه الا ذوي الشهداء
قالت لي ابنتك فدك : خالو عزيز هل سيعود أبي…….انا بأشد الشوق إليه ..تصور أن جميع الأطفال يوصلهم أبائهم إلى المدرسة صباحا ولست ادري لماذا أبصر دمعة في عيون المعلمة الكندية كلما نطقت باسمي كاملا؟؟؟
خنقتني العبرة لم اعرف بماذا أجيب تلعثمت …بكيت كالنساء .
قبل أن نعثر على جسديكما في صحراء الربع الخالي قالت لي هدى التي تركت عملها طبيبه في المستشفى لتتفرغ للحزن أنها حلمت بك وأنت جالس في كوخ طيني أخبرتها بنفس المكان الذي أعدمت فيه قلت لها أن خاطفيك كانوا يمارسون لعبة الموت في بغداد وانتقلوا إلى هذا الطريق المؤدي إلى الشام وقد وعدتها انك ستعود قريبا بعد أن تقبل ضريح الحسين وأخيه العباس وتوفي نذرك للحر الرياحي .
:فلماذا تأخرت ؟؟
:لم أتأخر بل سبقتها في النوم !!!!!..
آه من دربنا إلى الشام ….واه من سبايانا اللواتي يتعثرن بالرماح التي تحمل رؤوسنا المجزوزة…واه من وحشة الطريق وقلة الزاد وطول السفر يا ابا الحسنين
ينحني صديقي القادم من أعماق الاهوار مريحا جسده على سور الدانوب وهو يردد (هلي وياكم يلذ العيش ويطيب ..ونسايمكم تداوي القلب ويطيب )….
حين قررنا جميعا الهروب من الوطن كنا نعاند قدرنا ونؤخر لحظة النهاية ونطفئ نار الفواتح على دلال القهوة المرة ونضع أيدينا على فم القارئ والناعي وبقي أبي وحيدا وسط كتبه العتيقة المصفرة …في أخر مكالمة بيننا قال لي والدي رحمه الله وليدي لا تنسى أختك بقيت أرملة وحيدة غريبة وأجهش بنوبة بكاء تمزق نياط القلب.
رحل ابي وحيدا ولم نستطع ان نشيعه لاننا سكنا الغربه بسبب النشامى !!!!
هكذا هو وطننا الذي تركناه مكرهين دون ان ننتبه انهم كتبوا لنا في الصفحة الأخيرة من جواز السفر انه يسمح لنا بالعودة للعراق …فقط على متن نعوش …هكذا عدت وعاد الآلاف بعد أن اخفق المماليك والخوارج في سلبنا حريتنا وكراماتنا وهاماتنا العالية في زمن المهانة والسقوط والانهيار …زمن سماسرة ونصابي الديمقراطية والشفافية والمجتمع المدني التي لم تمنحنا لقمة خبز أو جرعة دواء او مجرد لتر من النفط حين فاجئنا برد الشتاء والأسئلة المحيرة أمام الذين خدعونا وتصالحوا مع عبوديتهم وطموحاتهم المريضة للسلطة والكراسي وأعادونا للسجن الكبير وغيلان الإمراض ونهب بيت المال والأعيب المخابرات ودهاليز المؤامرات .
كنت انوي أن اكتب رثاء لك وحدك يا ابا فدك غير أن الذاكرة المذبوحة أيقظتني على جرح عميق فاستحضرت كل الذين ماتوا بلا جدال كأنما سقطوا من بين يدي للتو …نظرت من حولي فوجدت المئات من النساء العراقيات لا يقدرن على الوصول إلى ثلاجات الطب العدلي بينما القبور لم تعد تتسع للشهداء.
او نبكي عليكم أم على وطننا الذي صار نهبا لسماسرة السياسة واللصوص والأفاقين .؟؟؟.
.أتراك تبصر هذا الجحيم الأرضي الذي غاب عن ذهن دانتي حيث تتناثر الأشلاء في صباحاتنا ونتقاسم رغيف الموت ونعتاد على منظر الأصابع والأرجل والعيون المتساقطة فوق سطوح المنازل وسعف النخيل بينما توابيت الشهداء ملفوفه بالعلم واللافتات السوداء في كل مكان قادمه من الفلوجه (مدينه الماذن)!!!!!
كن واثقا يا صادق انك وجميع الشهداء لازلتم احياء فينا ومعنا.. بل انتم تحت جلودنا وبين أضلعنا .ولازلت حتى هذه اللحظة حيث سقط العشرات من الشهداء قريبا من المكان الذي اعدموك فيه في الفلوجه مترددا محتارا بين أن اكتب لك أو اكتب عنك وعن هؤلاء الذين سقطوا وهم في عز الشباب دون أن يتركوا مجرد وصية لم يكملوا الطريق إلى كربلاء..
بينما انسحب الكثيرون من عرابي الموت وجلاديكم ليشاركوا في الدعارة السياسية تحت قبة البرلمان المجاز حتى موعد مؤامره اخرى …وعفا الله عما سلف ..
لست أرثيك يا ابن عمي ولا ارثي شهداء معركه الثار والكرامه التي توشك على طي صفحه الارهاب لان الرثاء لا يكون سوى للموتى ..
.أما أنت وهؤلاء الذين قدموا من مدن الجنوب القصية فأنهم أحياء في نبض قلوبنا ولأنكم ملح الأرض وحلاوة التمر وعذوبة الفراتين وسارية بيرغ العباس
سلاما عليكم أيها الشهداء الذين تمنحوننا عصى الصمود والوقوف المستقيم نتوكأ عليها في زمن الركوع والتخاذل والانهيار والاعوجاج واكل الفطائس الوطنية .
سلام عليكم يوم ولدتم …ويوم استشهدتم..ويوم تبعثون أحياء خلف راية الحسين ابن علي الثائر الاممي الشهيد .
سلام عليك يا صادق وكل شهداء الامه الذين هبوا جميعا منذ اول يوم رفع فيها السيد علي السستاني عمامته للجهاد ولازالوا يقاتلون وقد اخذوا بايديهم ثارك من الغادرين . وحرروا الارض والسياده من دنس الارهاب والغدر .
سلاما على كل شهداء العراق المغدورين
حتى مطلع الفجر
١٥ تشرين الثاني ٢٠١٧