طوفان الأقصى: نقطة تحول تاريخي في الصراع مع إسرائيل!
توفيق سلاّم
صباح السابع من أكتوبر تشرين الأول شنت المقاومة الفلسطينية كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس هجومًا مباغتًا على مواقع كيان الاحتلال الإسرائيلي في غلاف قطاع غزة، سيطرت فيه المقاومة على عدد من المواقع العسكرية الإسرائيلية، وتمكنت من أسر العشرات من الجنود والضباط الإسرائيليين والمستوطنين، ونقلهم إلى قطاع غزة. هذا الهجوم النوعي الخاطف الذي أطلق عليه ” طوفان الأقصى” شمل عمليات عسكرية متعددة في اجتاح عدد من مستوطنات الصهاينة في غلاف غزة المحتلة هو الأول من نوعه منذ حرب اكتوبر 1973، يشكل نقطة تحول تاريخي في الصراع مع إسرائيل، وفي نفس الوقت نقطة تحول في البيئة السياسية في المنطقة، تعيد للقضية الفلسطينية زخمها وديناميكيتها ومكانتها وموقعها الطبيعي على رأس الهرم، بعد سنوات التخلي والتهميش المتعمد، والتآمر الدولي والعربي على أبناء الشعب الفلسطيني، وتوجيه ضربات غادرة باتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني.
كانت ساعات فجر السابع من أكتوبر ساعات كاشفة، وحدت الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج في الإحساس بالنشوة والتضامن والاستعداد للتضحية والفداء واستعادة الكرامة، بينما اختبأت الوجوه التي سوقت لليأس والانكسار والهزيمة والاستسلام وعدم جدوى خيار المقاومة.. مارست التضليل والتعمية والتجهيل والتيئيس والهرولة نحو العدو. قتلت كل نفس غيورة، وكل صوت حر وثائر، وقبلت بالذل والارتهان والتبعية. وعلى العكس من ذلك ما تؤكده اليوم عملية ” طوفان الأقصى” من أن مفهوم النضال الوطني مازال في وجدان الأمة ينمو ويكبر، وأن ضمير الشعوب العربية مع فلسطين ومقاومتها، ومع المقاومة في لبنان وخيارات حلف المقاومة في المنطقة.
عملية “طوفان الأقصى” والصور والفيديوهات التي عمت الكرة الأرضية، وألوان الملابس الداخلية للجنود والضباط الإسرائيليين التي ملأت الشاشات وغيرها من المشاهد، بعثت رسالة مباشرة لتيار ودول التطبيع العربي، أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بالفتات، ولن يساوم أو يحول قضيته إلى حالة تسول لتحسين ظروف حياته، بما تمن أمريكا من أموال مقابل التطبيع.
رسالة طوفان الأقصى
الحقيقة الثابتة أن قضية الشعب الفلسطيني، ستظل عنوانًا للمقاومة، واليوم رسالة”طوفان الأقصى” تؤكد للمطبعين أنهم على الجانب الخطأ من التاريخ، وأنهم على الجانب المعادي للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، ومشاعر شعوبهم.
ولا شك ستكون هناك تداعيات، وستتوجه الأنظار نحو رد الفعل الإسرائيلي بعد الصدمة. والظاهر حتى اللحظة أنهم يفكرون بنفس الطريقة التقليدية ذاتها منذ نشأتهم، وهي استهداف المدنيين وارتكاب المجازر والتدمير، ذاك طريق بات يؤدي الى تعميق أزمة إسرائيل وورطتها. لكن ذلك لن يوقف المسار الاستراتيجي ولن يغير حقائق تطور الصراع. هو خيار جربته إسرائيل لاكثر من سبعين عامًا، ولم ينجح وأعطى نتائج معاكسة تمامًا.
ورغم هول عملية “طوفان الأقصى” وفرادتها في التاريخ العربي المعاصر، وفي محطات صراع العرب مع إسرائيل طوال سبعة عقود ونيف من تاريخ الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها رسميًا عام 1965، إلا أنها ليست أقصى ما في ذهن قادة محور المقاومة. ولا نبالغ إن قلنا إنها “بروفا أولية” لمعركة كبرى يتم الإعداد والتجهيز والتحضير لها من محور المقاومة بصمت منذ سنوات. لا اعتقد أن تسير الأمور وفق الأجندات الاستعمارية الأمريكية الإسرائيلية البريطانية للسيطرة والنفوذ على المنطقة. فهناك مصير صراع يجري الإعداد له ليل نهار وتأمين كل متطلباته، ولن تصل المخططات التي تحاك إلى أهدافها، لأن الشعوب العربية ملأ بالاحتقانات ولن تستطيع أي قوى وقف طوفانها الجارف لأنظمة الفساد برمتها.
مشاهد الهروب
عملية “طوفان الأقصى” لم تكن سوى نموذجًا مصغرًا للمعركة الكبرى وللحرب الأخيرة القادمة لا محالة. وأن مشاهد هروب المستوطنين مذعورين من مستوطنات غلاف غزة هو المشهد المصغر لهروب جماعي قادم من المدن المحتلة في عموم فلسطين، وأن مشاهد إذلال الجيش الإسرائيلي وتمريغ أنف ضباطه وجنوده المتعجرفين المجرمين بالتراب، سوف تتكرر وفق معادلات صراع جديدة، لمعركة كبرى وأخيرة لم تعد بعيدة.
ومع تكرار عملية الإنزال المظلي على غلاف غزة، واشتداد المعارك، يقوم العدو الصهيوني باخلاء 75 ألف مستوطن من مستوطنات غلاف غزة
فيما طائرات العدو الصهيوني تستهدف السكان المدنيين في شمال قطاع غزة. وصافرات الإنذار تدوي في مستوطنة “مجدال عوز” قرب بيت لحم خشية تسلل مقاومين للمستوطنة. فيما إسرائيل تستنجد بأمريكا، وصرح وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن: “قمت بتوجيه حركة حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، واتخذنا أيضًا خطوات لتعزيز أسراب الطائرات المقاتلة التابعة للقوات الجوية الأمريكية في المنطقة. وأضاف الوزير: “سنقوم بسرعة بتزويد قوات الدفاع الإسرائيلية بمعدات وموارد إضافية، بما في ذلك الذخائر؛وستبدأ الدفعة الأولى من المساعدات الأمنية بالتحرك اليوم وستصل خلال الأيام المقبلة، وسنستمر أنا وفريقي في البقاء على اتصال وثيق مع نظرائنا “الإسرائيليين” لضمان حصولهم على ما يحتاجون إليه“.
وإلى ذلك بدأت فعليًا القوات الإسرائيلية اجلاء سكان المستوطنات الشمالية على الحدود مع لبنان. يتزامن ذلك مع تصاعد التوتر وسط مخاوف من دخول حزب الله على خط المعارك داخل الأراضي المحتلة.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بطلب قوات الاحتلال سكان المستوطنات الشمالية بإخلائها فورًا. وتشهد الحدود مع لبنان توترًا متصاعدًا منذ صباح الأحد، حيث تبادلت قوات الاحتلال وعناصر المقاومة اللبنانية قصف مدفعي طالت مواقع مهمة في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة. كما يتزامن الاخلاء مع كشف وسائل إعلام إسرائيلية أيضا عن تحليق لطائرات مسيرة لحزب الله أبرزها في صيدا ومناطق عدة بالشمال المحتل. وكانت وسائل إعلام مصرية أفادت في وقت سابق بأن القاهرة أبلغت تل أبيب بقرار حزب الله اقتحام المستوطنات الشمالية في حال قررت تل أبيب اجتياح عسكري لغزة.
تغير ميزان القوى
اليوم نحن واثقون بأن ميزان الصراع يتغير، وأن القطبية الأحادية تتهالك، وهناك لحظات أكثر دهشة وصدمة آتية، ستغير موازين القوى. وأن أعلام ورايات حلف المقاومة سترتفع في الجليل والقدس، وإلى حينه نعتقد أن الصدمات التالية لن تكون محصورة بالجغرافية الفلسطينية.
الأهم هو أن هذا الهجوم يعكس عزم وصلابة وتصميم المقاومة الفلسطينية على الدفاع عن حق الحياة للشعب الفلسطيني، كما أنه يشكل ردًا عمليًا على غطرسة واجرام دولة الاحتلال الاسرائيلي، وعلى صمت العالم على جرائم الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، وعلى عمليات التطبيع العربية المجانية. وسعي إسرائيل المستمر بمختلف الطرق والوسائل، لاقامة سلام في المنطقة عبر علميات التطبيع.
اليوم يؤكد الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة أن إسرائيل لا يمكن أن تنعم بسلام من دون حصول الفلسطينيين على حقهم الشرعي والقانوني بدولة ذات سيادة كاملة. الدول العربية المطبعة ليس بمقدورها أن تمنح كيان الاحتلال الإسرائيلي الأمن والاستقرار والسلام واستدامة وجوده.
ومهما كان أو ما سوف يكون عليه رد الفعل الاسرائيلي، فإن عملية طوفان الأقصى دقت جرس إنذارها، ليس في (إسرائيل) فقط بل في العواصم العربية المطبعة مع هذا الكيان الاجرامي الغاشم، وفي عواصم العالم ذات الصلة، أو تلك المطبعة من تحت الطاولة. هذا التعرض أو الهجوم المفاجىء أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعب الفلسطيني المقاوم له القدرة والامكانية على أن يواصل نضاله وكفاحه من أجل استرجاع أرضه التي احتلها الصهاينة بتأمر دولي وعربي، بالاعتماد على قدراته الذاتية.
وأخيرًا توج هذا النضال القتالي، باروع وأشجع عملية بطولية، لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلاً منذ حرب أكتوبر 1973. لأول عملية بطولية سوف يكون لها زخمها الواسع والكبير جدًا، على ساحات الكفاح الفلسطيني، وعلى عمليات التطبيع المجاني، وعلى السلطة الفلسطينية، ومع ذلك ستكون مقدمة لمعركة كبرى لتحرير الأرض من الصهاينة.
2023-10-10