طبول الحرب الكونية الثالثة!
الرفيق: نوري حاتم
الطبول تقرع في الصحافة الغربية وفي البيت الأبيض، وتُسمع بعض الخشية والتردد في البنتاغون، وبين بعض جنرالاته الحاضرين والمتقاعدين على حد سواء وفي مستويات مختلفة، مع خشية واضحة من النتائج التي قد تسفر عن فضيحة لن تبقى أمريكا وفقها متفوقة بعد الهزيمة.
وهنالك سؤال: هل الهجوم الأوكراني المضاد هو الإيذانٌ ببدء الحرب العالمية الثالثة؟
يتحدث الساسة في أمريكا عن الهجوم المضاد أضعاف ما يتحدث عنه الأوكرانيون والأوربيين مجتمعين، وتدفع أمريكا لتهويل قوته وقوة شوكته وإظهار نجاعته بالتصفيق والتطبيل بصوت عالٍ. فيما تتعامل معه روسيا بتحضيرات غير معلنة مع تصريحات مليئة بالتهوين، كما لو أنّه مجرد معركة أخرى. مشيرة أيضاً إلى من يقف وراءه تخطيطاً وتسليحاً وإعداداً. وهذا الغموض، بالطبع يقلق أصدقاء روسيا أيضاً مع ثقتهم بقيادتها.
لابدّ أنّ جميع الأطراف يدركون أسراره ويعرفون ماذا يجب أن يبيتوا للأعداء.
وكما هو مكشوف للجميع، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الحرب التي شاركت بقوة في إشعال فتيلها، ومنذ 2014، توخّت استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لروسيا في هذه الحرب. ورأت أن العقوبات ستساعد وتسعف رهانها على ذلك، لكنها وجدت مع حلفائها الأوربيين إن حسابات البيدر لم تأت متطابقة مع حسابات الحقل، ولابد والحال هذه من حل يحافظ على التوجه العام لإضعاف الروس، عليه يتطلب الأمر صنع حالة من التوازن، خصوصاً وأن الهزائم الأخيرة والخسائر الكبيرة التي يلحقها الروس بالأوكرانيين ومتطوعي أوربا، قد دقّت الناقوس الذي يؤذن بفشل المخطط الأولي برمته.
إن التوازن العسكري لا الهزيمة هو ما تبحث عنه أمريكا راهناً، وهي على موعد قريب مع الانتخابات الرئاسية. وفي أقل تقدير سيحفظ التوازن ماء الوجه للديمقراطيين وليس “بايدن” وحده، خصوصاً وأنّ هنالك تململ هائل في البرلمان الأمريكي والكونغرس، وغالبية المتململين يطالبون بالخروج من شرك أوكرانيا. لابدّ إذنْ من حل سريع لهذه المشكلة، وقد بدأت الصحافة في بث الذعر بين صفوف الأمريكان عن هذه الحرب ونتائجها، وعن حجم تورط البيت الأبيض فيها، الذي أصبح الحديث فيه علنياً، ونشط الإنسانيون أو بعضهم في الدفاع عن السلم وإدانة قادة بلدانهم في أمريكا وأوربا، ويشنون الهجوم على كييف وقيادتها الفاسدة كما يطلقون عليها الآن.
وقد يكون تصريح رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال “مارك ميلي” لمجلة “فورين أفيرز- الشؤون الخارجية” أنّ الأهداف السياسية من المحتمل أن تتحقق في العام القادم وليس هذا العام، هو واحد من ادلة التأكيد على المراهنة الامريكية التي تتوخى من الهجوم المضاد صنع التوازن العسكري الذي سيوفر غطاءً لأي تسوية سياسية قد تمنح منافعاً جيوسياسية خاصة، وستدفع بالنتيجة الجميع إلى طاولة المفاوضات بشكل مرضٍ. وفي تصريح “بلينكن” دليل آخرعلى أن هذه المنازلة ستكون النهاية في حالتي النصر أو الهزيمة، فليس في خطة أمريكا كما يبدو استمرار الحرب التي استنفزت خزين الناتو من العتاد في أقل تقدير، حسب تصريح المسؤولين في الناتو، إضافة إلى شعور أمريكا بتململ الحلفاء الأوربيين الذي انكشف في تصريحات الرئاسة الفرنسية والرئاسة الإيطالية على سبيل المثال.
إن حالة التوازن العسكري في ساحة القتال التي تتمناها أمريكا ستدفع نحو طرح الأهداف من جديد على طاولة المباحثات وستؤدي بالضرورة إلى تنظيم الاتفاقات، وربما ستعيد بنود اتفاق منسك إلى الضوء مرة أخرى، وبالنسبة للأطراف جميعهم أنّ هذا أمر لا يمكن تحقيقه بين يوم ليلة، ومنه سوف يتأخر تحقيق الأهداف أو ستنتظر الأهداف المرجوة زمناً لازماً لكي تتحقق عبر المباحثات واللقاءات المطولة.
والمتابع لابد أنّه لاحظ أنّ أمريكا وضعت أقصى آمالها في الحرب الأوكرانية على هذا االهجوم. ودفعت بأقصى ما يمكن أنْ يؤدي إلى تقوية جبهة الجانب الأوكراني لخوض هذا النزال الذي أشار اليه الغالبية من المحللين العسكريين إلى أنّه الجولة الأخيرة. خصوصا أنّ أمريكا ضغطت على حلفائها الأوربين إلى أقصى حد، ولم يعد في قوس أوربا منزعاً لاستمرار هذه السياسة، التي تتطلب تقديم ما تراه أمريكا مصدراً لإسناد حليفها في كييف. وسيرى حلفاء أمريكا في أوربا الشرقية، وهم أوطأ جدار، أن طاقتهم أستنفذت أيضاً وليس بمقدورهم الاستمرار. إضافة إلى شعور حلفاء أمريكا بالخيبة، الحلفاء الذين وضعوا بيضهم كله في سلة واحدة مثل كوريا الجنوبية وغيرها، حينما سيجدون أن الهزيمة أو التوازن لايحقق أحلامهم.
من جهة أخرى تتكشف الأمور على ما يؤشر إلى عمق الفضيحة لو خسرت أمريكا هذا المشروع، بعد أن تبين أنّ الهجوم المضاد هو المشروع الأمريكي الأخير في المنازلة الأكرانية. فقد أكد وزير الخارجية الأمريكية ” بلينكن” قبل يومين، بلغة العارف أو لغة صاحب المشروع، أنّ الهجوم المضاد سيكون خلال الأسبوعيين القادمين، وحديثه يشير بشكل واضح أنّه وبلاده هم أصحاب هذه الجولة والمشاركين والمخططين الميدانيين فيها مع الناتو، بلا أدنى شك. ويؤكد ذلك أيضاً تصريح المستشار الألماني “شولتس” يوم أمس أنّه يتمنى عدم التصعيد بين روسيا والناتو كنتيجة لهذا الهجوم.، وهو عارف أن الناتو متورط بصورة كاملة في هذا الهجوم.
نعم سيكون الانتظار مدمراً والعالم لا يعرف من اجراءات روسيا واستعداداتها غير التصريح عن أمنها وأن كل الاجراءات الرادعة متاحة في سياستها العسكرية بالرد على العدوان، وهذا يتضمن بالضرورة السلاح النووي، والعالم يحبس أنفاسه الآن. والإنسانيون يشنون هجوما على السياسات العسكرية الأمريكية ويشجبونها بقوة، وكل يوم يخرج علينا من يدين هذه السياسة ويحذر منها.
ومن اللازم التأكيد ان هذا كله يرتبط بالضرورة بالأزمة المالية والاقتصادية التي تضرب المؤسسات المالية والتي فضحتها موجة الإفلاس التي ضربت المصارف الأمريكية والتي أدت إلى اضطراب القطاع المصرفي وانهيار الأسواق المالية، وازدياد حدة المخاوف من التخلف عن سداد الديون الضخمة للحكومة الامريكية . فضلاً عن الغلاء والتضخم الذي يضرب اقتصاديات الدول الأوربية والذي كان سبباً في التظاهرات هناك، وفي بعض الانتقادات الموجهة ضد المراهنات الأمريكية على الحرب الأوكرانية في الصحافة وعلى لسان ساسة اوربيين.
إن الخطر يبقى قائماً، فأن أيّ تصعيدٍ في المواجهة المقبلة قد يؤدي إلى الانزلاق نحو حربٍ نووية، قد تبدأ باستخدام السلاح النووي محدود الأثر، والذي لن يلبث حتى يتطور حتماً إلى حرب نووية مدمرة. سيبقى هذا الخطر يهدد الحياة طالما كان الجشع الرأسمالي الإمبريالي حاضراً.
فإلى أي حد تمضي الرأسماليات الإمبراطورية في تدمير الحياة وتخريب الكون؟ الحروب تصنعها وتضح سيناريوتاها الرأسمالية.
(حزب اليسار الشيوعي العراقي – الصفحة الرسمية):
4/5/2023