صراع الهوية، والدعاة والإعجاز العلمي في القرآن!
د. عمر ظاهر
لا نحتاج إلى أن نكون قوميين كي ندافع عن قومية ما، ولا إلى أن نكون متدينيين، أو منتمين إلى دين ما كي ندافع عنه. إن الدفاع عن الحقيقة ميزة إنسانية ترقى إلى ما هو أسمى من الانتماء، ناهيك عن التعصب. لقد دافعنا عن حق الأكراد في حق تقرير المصير، ودفعت أحزابنا التقدمية عشرات الآلاف من شبابنا إلى التضحية بحياتهم ثمنا لنبل مواقفهم، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الأكراد القومية، ولم نكن لا نحن ولا شهداء أحزابنا أكرادا، فلماذا عسانا نتقاعس في الدفاع عن العرب والعروبة؟
التهجم الظالم على العرب بالأمس واليوم
حتى الأمس القريب كان التهجم على العرب، وعلى الإسلام ظاهرة ضعيفة تبرز في بعض الأوساط الأكاديمية، الغربية خاصة، نتيجة لأبحاث المستشرقين من ذوي النزعات المشبوهة. وكان محتوى الهجوم لا يتجاوز التزييف، والتحريف، وإخفاء فضل العرب والمسلمين في تطور العلوم ومساهماتهم في الحضارة الإنسانية. وكان نطاق تأثير ذلك التهجم ضيقا، حتى في الأوساط الشعبوية الغربية. أما بخصوص بث سموم المستشرقين إلى العالم العربي نفسه، فبقي الأمر مقتصرا على محاولات تمرير بعض الأفكار المنحازة ضد العرب والإسلام إلى بيئآت أيديولوجية تتبنى الفكر التقدمي المتمثل في العدالة والمساواة بين بني البشر، سواء على مستوى الاختلاف بين الرجل والمرأة، أو على مستوى الإثنيات، أو الطبقات الاجتماعية. ونجحت تلك المحاولات في جعل تلك البيئآت ترى العروبة والإسلام من جهة والتقدم والتقدمية من جهة أخرى وكأنهما على طرفي نقيض. إن المنتمين إلى تلك البيئات كانوا يُظهرون تأثرهم بمحتوى تلك التهجمات على استحياء، وفي نطاق محدود لا يتعدى تنظيماتهم السياسية لأنهم كانوا يدركون أن الانسياق وراء ذلك المحتوى على مستوى المجتمع له ثمن باهظ سياسيا واجتماعيا. وليس أمرا مستغربا أن يكون أحد الأسباب الرئيسية في فشل الأحزاب الشيوعية العربية هو مجاهرة بعضها بالانسياق انسياقا أعمى وراء ذلك المحتوى الذي وصلها – ويا لسخرية الأقدار، من أوساط فلسفية وسياسية مناهضة للغرب الرأسمالي، ربطت التقدم، والعدالة، والمساواة بالابتعاد عن الإسلام، مما سهّل إلى حد بعيد تأليب المجتمعات العربية الإسلامية على تلك الأحزاب بدعوى الإلحاد وما يترتب عليه.
اليوم نجد أن التهجم على العرب وعلى الإسلام تجاوز نطاق الأكاديميا، وانتشر كظاهرة وبائية في مختلف البيئات، ليس فقط في البروباغندا السياسية لأحزاب اليمين الأوروبي الفاشي، بل وفي الفضاء العربي نفسه. وهنا فإن من يقود هذا التهجم لم يعد ألأكاديميون بشكل مباشر، بل أبواق متدنية الثقافة والمعرفة، لا يخفى من يقف وراءها. وتشهد الساحات العربية انفجارا في مدى ما تتناوله تلك الأبواق من جوانب سياسية واجتماعية وأخلاقية. ليس الأمر متعلقا بالحوار، أو بحرية الرأي، ولا بمجرد إظهار العروبة والإسلام مقترنين بالتخلف، بل هناك كما يبدو حرب عالمية عليهما يتولى إدارة دفتها أشخاص ناطقون بالعربية. والمحتوى لم يعد مقتصرا على التزييف والتحريف التقليديين، أو على إخفاء فضل العرب والمسلمين على الحضارة الإنسانية، بل إن الحرب ترمي إلى تجريد العرب والإسلام حتى من تاريخهما، وتصل السفاهة هنا حد انكار وجود الرسول الأعظم محمد كشخصية تاريخية، أو تلفيق الأكاذيب عنه، وإنكار وجود قبيلة قريش، وإنكار الخلافة الراشدة، والادعاء بأن الإسلام دين ظهر في العصر العباسي، وأن الدولة الأموية كانت دولة مسيحية. هذا ناهيك عن تخرصات مختلفة عن مصدر القرآن. أما دور العرب والمسلمين في الحضارة العالمية فيجري محوه بالكامل، وليس فقط تزييفه أو التقليل من قيمته. من يستمع إلى هؤلاء يسمع أن تاريخ الحضارة في المنطقة العربية بدأ بالغزو البريطاني الفرنسي لها قبل قرن، وأن تاريخ فلسطين يبدأ أصلا مع الاحتلال الصهيوني. مثل هذه الترهات نسمعها مع الأسف بأصوات عربية من أشخاص تم تغييب عقولهم، أو آخرين يجدون في انتشار وسائل التواصل فرصة سانحة لبث الأكاذيب التي لا يعاقبهم عليها أحد. وإنه لافتراض مبرر أن أصوات الفئة الثانية هي أصوات مدفوعة الأجور!
ما العمل؟ وأين نخبنا الثقافية التقدمية؟
لم يسبق أبدا أن تعرضت أمة من الأمم، أو دين من الأديان، أو تاريخ أي شيء إلى هذا الكم الهائل من التزوير، والإنكار، ومحاولات المحو الظالمة والباطلة. ومع شديد الأسف فإن نخبنا الثقافية التقدمية تغط في نوم عميق، وتتشبث بالدفاع المستميت عن خياراتها الأيديولوجية التي عفا عليها الزمن، وما تزال تعتبر الدفاع عن أمتها وتاريخها مهمة لا تليق بها، مع أن الحيف الذي يلحق بهذه الأمة ينتقص أيضا من قيمتها هي كنخب ثقافية لها وزن، ومكانة، وتأثير، ولها مبادئ أخلاقية تتمسك بها. إن قيمة الإنسان المثقف تنبع أولا من تاريخه مهما كان ذلك التاريخ، فشخصيته وهويته هما نتاج ذلك التاريخ. إن المثقف العراقي، مثلا، هو نتاج حمورابي، وبابل، والإسلام، والدولة العباسية، وسقوط بغداد على أيدي المغول، والحكم العثماني، ثم وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني، ثم الحكم الوطني. هذه هي العناصر التي صنعت هوية المثقف العراقي، ونفسيته، وعقليته، وليس تاريخ الثورة الفرنسية والامبراطور الأهوج نابليون بونابرت، وكومونة باريس، أو شارل ديغول، ولا تاريخ آل رومانوف، وقياصرة روسيا، ولينين، وستالين، وغيرهم. إن قراءتنا عن تاريخ الآخرين تزيد معرفتنا، وتوسع وعينا بأنفسنا أولا، فنستطيع أن نتطور ونطور. تاريخ الآخرين لن يصبح جزءً من هويتنا وشخصيتنا مهما تبحرنا في دراسته، أو أعجبنا به.
أن يلفق الآخرون ويكذبوا عن تاريخنا، ونسكت فأمر لا يليق بنا. علينا الدفاع، وإن كان فقط من باب الدفاع عن الحقيقة، مثلما دافعنا عن حق الأكراد في تقرير المصير، ومثلما دافعنا عن شعب فيتنام، وشعب كوبا، دون أن تكون لنا في كل تلك القضايا ناقة أو جمل. إننا لا نحتاج إلى أن نكون قوميين كي ندافع عن القومية ضد الأكاذيب، ولا نحتاج إلى أن نكون متدينين كي ننتفض عندما يجري أمام أعيننا مسخ دين، أي دين، وتاريخه. إننا ندافع عن الحقيقة، والحقيقة ليست طبقية ولا قومية؛ إنها قيمة إنسانية عليا.
هناك اليوم صراع مرير بين أمة تريد الحفاظ على هويتها وبين قوى ظلامية تريد محق هذه الهوية، وتصوير العرب كمجموعات تطفو على سطح التاريخ، ليس لها جذور حضارية وتاريخية. وليس من الممكن عزل مثل هذه المحاولات عن تصوير نفس القوى الظلامية إسرائيل والصهيونية كحقيقة ضاربة في أعماق التاريخ.
الدعاة والإعجاز في القرآن
هناك ظاهرة أخرى موازية تشهد توسعا انفجاريا في نوعيتها وكميتها، وعدد المنغمسين فيها، وهي ظاهرة الدعاة والمشتغلين في البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم. ليس المقصود هنا بشكل رئيسي أن نقوم بتحليل محتوى عمل الدعاة أو هذه الأبحاث التي تعج بها المواقع الالكترونية العربية، بل النظر إليها في علاقتها بظاهرة الكذب عن تاريخ العرب وعن الإسلام. لا يمكن للمتابع إلا أن يرى أن التضخم في ظاهرة الدعاة والبحث في الإعجاز العلمي في القرآن هو رد فعل طبيعي وصحي على ظاهرة الأكاذيب والتلفيقات عن العرب وعن الإسلام. إن هذه الظاهرة تدل بوضوح على أن الأمة العربية أمة حية، ولديها مناعة ضد الأمراض الثقافية الخبيثة، ولديها رصيد ثقافي وحضاري كبير جدا في مواجهة محاولات التقزيم. إن الله يقيض لهذه الأمة أبناءً ينبرون للدفاع عن مقدساتها، وقيمها، وحقائق تاريخها، ويردون للعدو الصاع صاعين. إن تأثير الدعاة وهذه الأبحاث كفيل، بلا شك، بخلق توازن معقول مع تأثير الأكاذيب على عقول الشباب العرب، وذلك بينما تغط نخبنا الثقافية التقدمية في نومها الجميل. ونحن نجد أن عدد متابعي القنوات التي تقدم الدعاة والباحثين في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم يفوق بعشرات، وربما مئات المرات، عدد متابعي القنوات المغرضة المتخصصة في نشر الأكاذيب. وهذا أمر يدعو إلى التفاؤل.
إلى هنا فإن الدعاة والباحثين في الإعجاز العلمي يقدمون خدمة تاريخية كبرى لأمتهم، فهم يحافظون على تماسك الهوية العربية الإسلامية واستمراريتها وتجاوزها عصر الانحطاط الذي تتسسب به الرأسمالية في حياة البشرية عامة. ولا يفوتنا أن نقول إن النخب الثقافية العربية الغارقة في نرجسيتها التقدمية يبدو تأثيرها على الوضع الثقافي العربي باهتا وتافها إزاء زخم التأثير الذي يمارسه الدعاة وشيوخ البحث الإعجازي.
طبقة جديدة من الفقهاء تحت التكوين
إن مباركة عمل الدعاة والباحثين في الإعجاز العلمي لا يعني الاتفاق معهم على صحة الانجرار إلى مكيدة “العلم” الذي يُستخدم للتحكم بوعي البشر، والذي تقع ضمنه كل الفروع غير التطبيقية والتي تضع لتخيلاتها المريضة جزافا عنوانا فخما هو (نظريات علمية). إن هذا الانجرار قد يعود بالضرر على الإسلام، وبالتالي على الهوية العربية. إن الأمر يتعلق أولا بمدى سلامة ربط آيات القرآن المجيد بـ (الحقائق) التي يتوصل إليها العلم التجريبي اليوم، فمعظم هذه الحقائق غير مؤكدة، وغير نهائية، وقد يأتي يوم تظهر فيه حقيقةٌ ما عكس ما يقول هذا العلم حاليا. ليس من الحكمة في شيء اتخاذ نتائج الأبحاث العلمية التجريبية كأدلة على صحة ما ورد في القرآن. وقد سبق أن نبه إلى هذا الأمر بعض المثقفين العرب سابقا.
إن الروعة في أمر القرآن لا تكمن في تطابق ما يقوله العلم التجريبي اليوم، بما في ذلك نظرية الانفجار العظيم مثلا، مع ما قاله هذا الكتاب قبل أربعة عشر قرنا، بل إن الروعة، كل الروعة، تكمن في أن القرآن تناول قبل أربعة عشر قرنا مواضيع وأمورا يبحث فيها الآن العلم، التجريبي منه والتطبيقي. هذا ما يجب التركيز عليه بصرف النظر عن التطابق أو الاختلاف. أليس أمرا مذهلا أن هذا الكتاب يتناول كل جوانب الحياة، ومنها خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان من النطفة حتى الكائن الواعي، إضافة إلى تشريع متكامل، وإخبار عن الماضي، واستشراف للمستقبل، ناهيك عن أمور تتعلق بالنفس، والجسم، وغير ذلك كثير؟
أما الأمر الآخر الذي لا ينبغي لنا أن يفوتنا الانتباه إليه فهو أن ظاهرة البحث في الإعجاز العلمي في القرآن الكريم توحي إلينا أن المجتمعات المسلمة توشك أن تنتج طبقة جديدة من الفقهاء تحل محل الفقهاء التقليديين الذين يحتكرون تفسير آيات القرآن، ويجرون معهم الملايين من الناس إلى ظلمات الجهل وإلى التخبط في التناقضات. هؤلاء الفقهاء الجدد يمكن أن يروا أنفسهم، إضافة إلى ما يجعلهم مخولين بتفسير آيات القرآن الكريم، مؤهلين لإرشاد الناس إلى ما يرونه طريق الصواب على ضوء معرفتهم بنتائج الأبحاث العلمية التجريبية وما يوازيها من آيات القرآن المجيد. وهم بهذا يمتلكون ناصية قوة الإقناع المدعومة بالعلم والتي لم تكن تحت تصرف الفقهاء العاديين الذين ابتليت بهم هذه الأمة. وفي هذا منزلق خطير. لا بد لنا أن نميز بين الدفاع عن الهوية وبين الكفاح من أجل التطور الاجتماعي.
إن تكوّن الطبقات، سواء أكانت الطبقات الاقتصادية، أو السياسية، أو طبقات الكهنة ورجال الدين عملية معروفة تاريخيا، فهي تبدأ نتيجة ظهور حاجة إلى التطور والتطوير، أو حتى الدفاع المشروع عن النفس، وتسير وفق قوانين صارمة في التوسع واكتساب السلطة إلى أن تصبح الطبقة الجديدة في مرحلة لاحقة هي بنفسها عائقا أمام أي تطور. إن التقدم في أي مجتمع يعتمد إلى حد كبير على تجريد أية جهة كانت من حق التحكم بالعقل، وتقييد الفكر، وتسييس مسألة الخلق والخالق. إن اكتساب هذه الطبقة الجديدة من الدعاة والباحثين في الإعجاز سلطة وقوةً أمر يدعو إلى التأمل على المدى البعيد، فليس هناك ما يشير إلى أن هذه الطبقة ستختلف في آخر المطاف عن سواها ممن يقيدون حرية الفكر.
ولعل أسوأ جوانب ظاهرة الدعاة والبحث في الإعجاز العلمي في القرآن الحكيم هو أن الطبقة الجديدة غير محصنة ضد تسلل المحتالين إلى نطاقها إما بقصد الاغتناء بركوب الموجة واختلاق الأكاذيب العلمية، أو عن طريق محاولة التوفيق بين الدين و (العلم!) إلى حد ممجوج، وبقصد الاغتناء عن طريق تضليل الآخرين. هناك مثلا من بين هؤلاء الدعاة الباحثين من يدعي أن 99 بالمئة من نظرية المحتال البريطاني الخرف تشارلس داروين صحيحة، وتتطابق مع ما ورد في القرآن عن خلق الإنسان. مثل هذا (المحتال العربي) في الإعجاز يقدم نفسه خبيرا في نظرية التطور، وحتى خبيرا في نظريات آينشتاين، ويكسب الطرفين، الملحدين والمؤمنين، بتسويق نظرية داروين كنظرية علمية من جهة، ومن جهة أخرى بتمجيد القرآن لأنه قال بنفس أفكار داروين قبل أربعة عشر قرنا. في هذا ضحك على عقول الناس، ولا فائدة من مثل هذه الخزعبلات في الصراع على الهوية.
إلى أن تستفيق النخب الثقافية التقدمية!
ولكن في المحصلة، فإن آفاق تطور عمل الدعاة والبحث الإعجازي تطورا سلبيا ضارا لا تمحو تأثيرهما الحالي، ولا تقلل من أهمية دورهما في التصدي لموجات الأكاذيب التي تستهدف تاريخ العرب، والإسلام، وترمي إلى سحق الهوية التاريخية العريقة لأبناء الأمتين العربية والإسلامية. سيبقى العدد الأكبر من هؤلاء جنود الجبهة الأمامية في التصدي للصهيونية صاحبة المصلحة الأساسية في الحرب على العرب والإسلام. وعسى أن تستفيق النخب الثقافية (التقدمية) يوما، ولا تدخل في غيبوبة أبدية. إن الدفاع عن الحقيقة ليس عملا قوميا ولا جهاديا. إنه مهمة إنسانية لمن يؤمنون بقيم الحق والعدالة.
2021-12-10