صراع الأمم وصراع الطبقات، روسيا تقصف في سوريا
نحتار بين قوميتنا ومبادئنا الإنسانية الشاملة، نتوه بين العام والخاص، تختلط المفاهيم بين التحرر الوطني والتحرر القومي وتحرر الفقراء والمستلبين من النظام الاقتصادي العالمي، ذاك التحرر العابر للأعراق والأديان.
راديكال – محمد فرج
بين الخطابات الوطنية والقومية والأممية تتوه المواقف السياسية اليومية، من رحم كل ذلك تولد أسئلة كثيرة، ومنها: من يصارع من اليوم؟ الأمم أم الطبقات، أم كلتاهما؟
عندما تصارعت الأمم
احترب المسلمون والهندوس عام 1947م، وأسفرت المعركة عن ولادة دولة جديدة “الباكستان”، عاشت إلى اللحظة على هويتها الإسلامية تحت حكم عسكري أنتج لها مفاعل نووي لم يكن كافياً لمنع الانقطاع اليومي للكهرباء، ولكنه كان كافياً في إبقاء الباكستانيين في حالة تأهب لخوض حرب أخرى عام 1962م في كشمير، و في حالة اليقظة من العدو الدائم “الهند”، التي بدورها تسلحت بنفس اليقظة إلى اليوم كذلك، يقظة لم توازيها أخرى تشبهها صوب العشوائيات التي نالت المركز الأول في بث الحقد الطبقي عالمياً.
في عام 1948م، ارتأت الامبريالية العالمية إشعال حرب بين اليهود من كل أصقاع الأرض والسكان الأصليين لأرض فلسطين، وكان نتاج الحرب كياناً في أرض فلسطين، وطبقة عربية عاشت على أكتاف الثورة وجمعت الثروة باسمها.
في عام 1962م، اشتعلت الحرب الصينية الهندية، التي عبرت عن صراع حدودي كان يمثل هماً استراتيجياً للصين، التي انتصرت في الحرب، وحققت الهدف الاستراتيجي المرتبط أساساً بحرب التبت عام 1950م.
الانتصار التاريخي للصين كان يعني تصليب قوة الأمة الصينية ولكنه لم يكن يعني الكثير للصينيين في الداخل.
في عام 1974م، انتصر الغزو التركي لقبرص، وكانت الولادة لما يسمى قبرص التركية، وسقط بعدها الحكم العسكري في اليونان. فرح اليونانيون بسقوط الحكم العسكري في اليونان، وفرح الأتراك بالأرض الجديدة، وما زالت قبرص إلى اليوم تعيش حالة فصامها الاقتصادي والثقافي بين اليونان وتركيا.
إثر سقوط الحكم الشيوعي بقيادة مانجستو هايله، وجدت أريتيريا طريقها الإسلامي على خطى الباكستان، لتشتعل الحرب الأثيوبية- الأريتيرية عام 1998م، لتنتج رهاباً إسلامياً- مسيحياً بين الأثيوبيين والأريتيريين، الذين وقعوا تحت فقر لم يعرفوه أيام مانجستو.
في بداية الثمانينيات نشبت الحرب بين إيران والعراق، مئات الألوف كانت ضحايا الحرب التي أبقت إيران تحت حكم الثورة الإسلامية، وأبقت العراق تحت حكم البعث، وضمن نفس الشروط مضافاً إليها المزيد من التأهب ضد الجار الغريم، امتدت عدوى الصراع الشيعي السني، وصراع العربي الفارسي، تلكم كانت النتائج الأكثر أهمية للحرب.
في منتصف التسعينيات نشبت حرب البوسنا والهرسك، وبقي فتات اليوغسلاف يتلقى فتات الدعم الاوروبي والأمريكي إلى اليوم.
في الحرب العالمية الأولى، إنهارت الدولة العثمانية متوجهة بالعرب إلى التقسيم مباشرة دون أية مراحل انتقالية، وسمى العرب ذلك ثورة عربية كبرى، تلاها انتداب بريطاني وفرنسي ما زالت نتائجه حاضرة إلى اليوم.
انصرفت روسيا لهمها الداخلي في تأسيس المعسكر الاشتراكي وانسحبت من الحرب.
في الحرب العالمية الثانية، انتهى الحكم النازي في ألمانيا، والحكم الفاشي في إيطاليا.
عادت ألمانيا إلى نازيتها في حكم ميركل، ولم تختلف أحوال الألمان كثيراً عن حقبة هتلر الذي وعدهم بالدفاع عن تمايز عرقهم الفطري عن بقية العالم.
سلمت بريطانيا وفرنسا العرب لحقبة جديدة تديرها المؤسسات المالية قبل الجيوش.
بدأ تقاسم العالم بين القوتين الجديدتين، اقتسامه ثقافياً واقتصادياً، وبالضرورة سياسياً.
كانت نتيجة هذا الانقسام أن تحتد أكثر شوكة مصر وسوريا والعراق واليمن، وتأكيد الأردن والسعودية ولائها للمعسكر الأمريكي.
روسيا تقصف في سوريا
ضمن أي من تلك الحروب يمكننا تصنيف القصف الروسي في سوريا؟
امتلأ خطاب بوتين بالتذكير بحقبة الحرب الباردة، وفي تلك الحقبة كان الاتحاد السوفياتي يواجه الولايات المتحدة من خارج دائرة شروطها، فلا نمط السوق، ولا أسواق المال، ولا التبادل التجاري كانت تمثل عوامل ضغط عليه، وكان ذلك هو النتيجة الطبيعية لتبنيه مدرسة اقتصادية-اجتماعية مختلفة، وبالضرورة تنأى بنفسها عن شروط النظام الاقتصادي الرأسمالي.
كل ذلك يعبر عن تمايز حقيقي بين حالتي الصراع، ولكنه لا يحول الثانية “اليوم” إلى تحالف وتنسيق وتشارك، وإنما يحوله إلى صراع بشكله الممكن.
أشار بوتين إلى الطرف الذي يتلاعب بالمنطقة “الولايات المتحدة”، إشارات تحمل الدعوة إلى إعادة صياغة العالم باتجاه عالم متعدد الأقطاب الذي يتضمن كذلك تصحيح مسار الأمم المتحدة كهيئة عالمية تدير شؤون الحرب والسلم.
ردات الفعل الفرنسية والبريطانية والأمريكية كفيلة بإيضاح الهدف وراء تأسيس التحالف الدولي ضد داعش، إطالة عمر الأزمة إلى ما يكفي لاستنزاف سوريا بالكامل.
أمضى التحالف أكثر من سنة دون إنهاء وجود التيارات الإسلامية المتطرفة، روسيا تعود للمنطقة بصيغة هجومية غابت عنها منذ استعمار إيران في نهاية القرن التاسع عشر،ومع أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتي، إلا أنها تمتلك نوايا صادقة في إنهاء وجود التيارات التكفيرية في سوريا والعراق، الامر الذي يؤسس لمرحلة جديدة من التحالفات السياسية المتصدية للامبريالية الأمريكية، ولكنها لا تمثل بالضرورة مرحلة طبقية جديدة في حياة الشعوب العربية، وهنا يكمن مربط الفرس. إلى أين سيأخذنا الروس الصادقين في الإجهاز على التيارات التكفيرية؟ إلى أين يمكن أن نأخذ أنفسنا بعد ذلك؟
2015-10-11
