بهدوء: شارلي إيبدو والإرهاب
د. عدنان منصور
لا شك أن العمل الإرهابي الإجرامي المدان من العالم كله على مقر شارلي إيبدو الذي أوقع العديد من الضحايا، والذي يعتبر من أعنف الضربات الإرهابية والأكثر دموية التي تشهدها فرنسا منذ أربعين عاماً، يجعلنا نتوقف ملياً أمام الذي جرى، خصوصاً أن منطقتنا المشرقية وعالمنا العربي بالذات ليس بمعزل عن ضربات الإرهاب اليومية الذي تدفع شعوبنا العربية أثمانه الباهظة في الأرواح والممتلكات لا سيما في العراق وسورية ولبنان ومصر واليمن وليبيا وغيرها من بلدان العالم التي تعاني مما تعانيه من ضربات الإرهاب وتداعياته. وأمام هذا المشهد الفرنسي نطرح عدة ملاحظات:
1 ـ إن ما جرى في فرنسا لم يكن مستبعداً أو مفاجئاً، بل كان متوقعاً له في أكثر من مكان وزمان في أوروبا وخارج أوروبا. الإرهاب الذي يضربنا اليوم ويضرب أوروبا في قلبها وفي العالم ليس وليد الساعة. وإنما هو نتيجة تراكمات بدأت منذ احتلال أفغانستان عام 2001 وحتى اليوم.
لقد كانت طريقة التعاطي مع الإرهاب خاطئة لأنها كانت تخضع لحسابات سياسية إقليمية ودولية، ولم تكن تخضع لحسابات أمنية بحتة. لقد كنا نحذر مراراً وتكراراً المسؤولين الذين كنا نلتقي بهم ـ الغربيين بالذات ـ من الإرهاب وموجاته وتنظيماته وتطلعاته، ونقول لهم: إن من يظن نفسه أنه بعيد عن الإرهاب فهو مخطئ، وأن الإرهاب سيتمدد رويداً رويداً وهو عابر للحدود. وإن لم نجتثه من الجذور من دون تسييسه لأي سبب كان، فإن خطره وتداعياته الأمنية ستنتشر على رقعة العالم كله. وإذا كانت أوروبا لم تستطع وقف الهجرة السلمية غير الشرعية إلى بلادها في شكل كامل، فكيف يمكن لها أن توقف «الهجرة» المنظمة المخطط لها والمدربة تدريباً نوعياً تشمل عناصر إرهابية تحضر نفسها لما هو خطير وعابث بأمن واستقرار دولها.
2 ـ ألا تعرف دول أوروبا أنه ومنذ اندلاع أحداث ما يسمى وهماً ومبالغة بـ«الربيع العربي» أن مئات وآلاف المقاتلين من دولها يتوجهون إلى منطقتنا وعالمنا العربي حاملين معهم أفكاراً تكفيرية للمشاركة في تدمير دولنا والعمل بجانب المعارضة المسلحة للإطاحة بالأنظمة ـ خصوصاً في سورية والعراق. وأن دعم بعض الدول الأوروبية المكشوف للمعارضة ودعوتها للإطاحة بالنظام جعل المقاتلين المتطرفين الإرهابيين يتنقلون من دون قيد بين أوروبا والعالم العربي بحرية، مستفيدين من الدعم الذي توفره لهم بعض الدول الإقليمية والدولية وللمعارضة ككل ومن عداء دول في أوروبا وخارجها للنظام السوري وغيره، من دون الأخذ في الاعتبار والمحاذير من أن هؤلاء التكفيريين المتشددين المتطرفين لن يوفروا حتى الدول التي ولدوا ونشأوا وترعرعوا فيها.
3 ـ إن الفضائيات «الدينية» التي تشرف عليها جماعات متطرفة والتي تبث بالجملة من بعض الدول الأوروبية، والتي تستفيد من مناخ الحرية المتوافر في هذه الدول والرعاية و«المباركة» التي تحظى بها، وكذلك ما تقوم به المدارس والمجاميع الدينية في أوروبا وتروج له من أفكار متطرفة رافضة للآخر من خلال برامج ومناهج تعليمية ومواعظ وإرشادات مشبعة بالتزمت والتحجر، ترفض الحوار مع الآخرين من مَن ينتمون إلى غير أتباعها وعقيدتها وتوجهاتها. هذا الإعلام والتعليم المبرمج والموجه كان سلاحاً ذو حدين:
الأول: تأجيج التطرف، وبث التفرقة والحض على العنف بين الطوائف الإسلامية في شكل خاص والإمعان في إثارة النعرات الطائفية المذهبية، وزيادة حدة الكراهية والبغضاء للغير.
الثاني: إن هذه المدارس والمجاميع الدينية التي تروج للأفكار المتطرفة وتربي طلابها عليها ليعتنقوها، ستخرّج في ما بعد دفعات وموجات من المتطرفين المشبّعين بروح الكراهية ونبذ الآخر وعدم التسامح. هذه الموجات والمجموعات وجدت طريقاً لها للوصول إلى منطقتنا ودولنا للتواصل والعمل المشترك مع متطرفين تكفيريين متواجدين أصلاً في بلادنا تتلمذوا بدورهم على يد تكفيريين منظرين يحضون على تكفير من لا يتبع منهجهم ورسالتهم والعمل على محاربته. فيتصاعد السلوك لأتباع هؤلاء من تحجر في التفكير إلى اتهام الغير بالتكفير وبعدها القيام بالقتل والتدمير.
4 ـ لقد شهدت السنوات الأخيرة استفزازات متعمدة من بعض الصحف الأوروبية وسلوكاً وقحاً وهي تنشر من آن إلى آخر رسومات كاريكاتورية أو مقالات تنال من الرسول الكريم بإساءات وتهكمات شنيعة على الإسلام والمسلمين، ضاربة عرض الحائط مشاعر وعقيدة مليار وستمئة مليون مسلم في العالم. مما فجر في نفوس العديد منهم نزعة الانتقام والتشفي والنقمة والقيام برد فعل على الفعل أياً كانت النتائج والتداعيات السلبية لهذا الرد.
فلماذا الإصرار والعنجهية من قِبل الغرب الذي لم تأبه حكوماته الأوروبية وللأسف الشديد بالتجاوب مع نداء العالم الإسلامي بضرورة وقف هذه الإساءات في الوقت الذي تتذرع الحكومات الغربية بحرية الرأي والتعبير؟!
كيف يمكن الاقتناع بمنطق الغرب في احترام حرية الرأي والتعبير عندما تقوم بعض الأقلام والكاريكاتورات بالإساءة إلى مليار وستمئة مليون مسلم مباشرة في عقيدتهم ودينهم وإيمانهم وانتمائهم ووجدانهم، ويسقط بعد ذلك مبدأ حرية الرأي والتعبير إذا ما أراد مفكر أو باحث أو مؤرخ أو دارس أو ناقد إعادة النظر في حقائق الهولوكوست الذي راح ضحيته العديد من اليهود؟!!
لماذا يعتبر التشكيك أو النقد أو التقليل من عدد ضحايا الهولوكوست وإن جاء نتيجة دراسات علمية وأبحاث تاريخية موثقة ووقائع ميدانية ثابتة وحقائق دامغة صريحة، جريمة يعاقب عليها القانون؟! ألم يحاكم ويعاقب المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي على كتابه: «الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» نتيجة أبحاث دقيقة توصل إليها حول الهولوكوست؟!
لماذا هذه السياسة المزدوجة للغرب؟ البحث عن حقيقة الهولوكوست والتدقيق في أعداد ضحاياه يعتبر جريمة نكراء يعاقب عليها القانون لأن البحث والتدقيق فيه يعتبر من المحرمات. أما الرسومات الاستفزازية والمس بشخص النبي الأكرم وإهانة وازدراء عقيدة ومشاعر مليار وستمئة مليون مسلم، فهي تخضع للمنطق الغربي في مفهومه لحرية الرأي والتعبير. هنا نتساءل بهدوء: ألا تساهم أوروبا ويساهم معها الغرب كله وبهذا المنطق في تفجير رد الفعل عليها من قِبل العديد ممن يجدون أنفسهم أنهم أهينوا في معتقدهم وفي رسولهم ومن مَن يعتبرون أنفسهم أنهم معنيون مباشرة بالرد على هذه الإهانات التي تلحق بالمسلمين جميعاً وبالطرق التي يرونها مناسبة؟!
ألا تترك القوانين والإجراءات الأوروبية بحق المسلمين لجهة النقاب والحجاب، أثارها السلبية على مشاعر المسلمين وعقيدتهم وثقافتهم في الوقت الذي يغض النظر عن غير المسلمين من اليهود في التصرف بحرية مطلقة من دون أن يجرؤ أحد على اتخاذ إجراء ما يتعلق بعقيدتهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم وزيهم.
ألا تترك هذه القوانين والإجراءات العنصرية التمييزية تراكمات في نفوس مسلمي أوروبا، تصيبهم بالإحباط وتدفع بالعديد منهم في ما بعد نحو التطرف والعنف والكراهية؟!
ألم يحن الوقت لأوروبا بعد لسن قوانين تحترم الأديان كلها وتعاقب من يعمل على تأجيج الفتن، أو التحريض عليها أو الإساءة للمعتقدات الدينية على اختلافها حتى تجنب بلادها لردود فعل هي بغنى عنها؟! فكيف يمكن منع المس بحرية الفرد من جهة، والسماح من جهة أخرى بإهانة مشاعر وعقيدة مئات الملايين؟!
المجتمع الدولي كله معني بالإرهاب. هذا إرهاب واحد لا يتجزأ، ولا يخضع لمعايير مزدوجة ولا لمفاهيم تكال بمكيالين تلعب فيها السياسة دورها البشع، فهو يضرب أينما كان وكيفما كان وعلينا جميعاً تطويقه واجتثاثه من الجذور.
أولم تسبب سياسات الغرب في إثارة غضب الملايين من العرب على وقوفه ولعقود طويلة بجانب «إسرائيل» التي تجسد إرهاب الدولة بكل المقاييس، بما ترتكبه من مجازر مستمرة بحق الشعب الفلسطيني وانتهاك حقوق الإنسان، غير عابئ بحقوق الشعب الفلسطيني، ولا يكلّف نفسه على حمل «إسرائيل» على احترام وتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة في الوقت الذي جعل الاتحاد الأوروبي «لإسرائيل» وضعية مميزة داخل الاتحاد؟!
ألم تفسح سياسات الغرب المنحازة هذه، المجال أمام المحبطين المظلومين للتطرف ولردود الفعل العنيفة على هذه السياسات؟!
لقد أراد التحالف الدولي أن يقضي على الإرهاب في العالم من خلال القضاء عليه في أفغانستان عام 2001. وإذا بالإرهاب ينتقل ويتمدّد من أفغانستان إلى باكستان، إلى العراق وسورية ولبنان واليمن ومصر وليبيا ونيجيريا والبقية تأتي… ولم يتحقق ما أراده التحالف. فمن هو المسؤول؟!
لا بد من ملاحقة المخطط والمحرض والداعم والمروج والمموّل والمنظّر والمدرّب والراعي للإرهاب، والمستجلب للإرهابيين عن عمد أو غير عمد، والمسهّل لتحركاتهم تكتيكاً أو استراتيجياً.
لقد هبّ العالم كله ـ ونحن معه ـ من أجل إدانة الإرهاب والوقوف بجانب فرنسا في مصيبتها ـ ونحن أيضاً بجانبها ـ وهي التي تلقت ضرباته البشعة منذ أيام. ويا ليت العالم هبّ في حينه للوقوف بجانب شعوبنا العربية وهي تتعرض لضربات التنظيمات الإرهابية منذ سنوات وعشرات الآلاف من الضحايا تسقط على يد الإرهابيين التكفيريين من «داعش» إلى «النصرة» إلى مجازر «إسرائيل» بحق الفلسطينيين ولا عين كانت ترى ولا جفن يرف، والإرهاب يفعل فعله. والبحث مستمر عن المسؤول؟!
لقد قالها صراحة رئيس وزراء فرنسا السابق دومنيك دوفيلبان عن تنظيم «داعش» الذي ضرب عقر دار فرنسا: «إن تنظيم «داعش» ما هو إلا وليد مشوّه لسياسة الغرب المتغطرسة التي ضاعفت بؤر الإرهاب في العالم»…
فهل يتخلّى الغرب عن سياسته المتغطرسة ويعمل سريعاً على ردم بؤر الإرهاب قبل فوات الأوان؟ وهل تتعظ أوروبا ويتعظ معها العالم قبل أن تتدحرج عليهم كرة اللهب؟!
وزير الخارجية السابق
البناء
14/01/2015