سهرة مع القانون الدولي وقانون “سكسونيا”!
محمد ابو عريضة
حضرت مساء أمس لقاءًا في بيت كريم تحدث فيه أحد المختصين في القانون الدولي عن إمكانات محاكمة الكيان الصهيوني ومجرمية في الهيئات الحقوقية الأممية، وآخر الخطوات المتعلقة بالقضايا المرفوعة على مجرمي الحرب في محكمة العدل الدولية، وعن تاريخ هذه المحكمة وتاريخ المحكمة الجنائية الدولية، وتفاصيل أخرى ذات صلة. تساءلت بعد أن انتهى المختص من مداخلته وأتساءل الآن:
أليس القانون الدولي منتج واقعي لتفاهمات المنتصرين والمهيمنيين؟
هل شاركت الدول الضعيفة التابعة – مثلنا – في صياغة القانون الدولي، وهل يمكنها المشاركة في صياغة أحد القرارات الصادرة عنها؟
وهل يمكن أن نضمن نزاهة القضاة فيها، حتى لو كان بعضهم من دولنا الضعيفة التابعة، ويضمن قدرتهم على الصمود أمام مغريات وابتزاز وتهديدات أمريكا والكيان الصهيوني؟
لو انتصرت دول المحور في الحرب العالمية الثانية؛ هل يمكن أن نرى نصوص القانون الدولي نفسه، وهل كان يمكن أن نعرف محكمة “نورنبيرغ” التي حاكمت النازيين؟
أو نعرف شيئًا عن محكمة طوكيو التي أمر بتشكيلها الحاكم العسكري الأمريكي في اليابان ماك أرثر، وتم فيها محاكمة العسكريين اليابانيين من دون العائلة المالكة اليابانية؟
وأسئلة أخرى كثيرة تؤكد لي ولغيري أن ما تقوم به دول كجنوب إفريقيا وحلفائها في القضية المرفوعة ضد الكيان الصهيوني باركاب إبادة جماعية في فلسطين، وما يقوم به قانونيون بمراجعات ومتابعات لا يمكن أن يحسم الصراع، ولا يمكن أن يكون بديلًا عن المواجهة المباشرة بالنار، فما دامت أمريكا قوة عظمى مهينة، والكيان الصهيوني في “العرف” الأمريكي خارج القانون، ولا أحد يستطيع لمسه، يبقى القانون الدولي فقط لإدانة ومحاكمة الضعفاء.
وبمراجعة ما جرى خلال ثمانية من عقود من الصراع مع العصابات الصهيونية وكيانها يتأكد لنا صحة استنتاجنا السابق، فالولايات المتحدة الأمريكية استخدمت خلال سنوات الصراع حق النقض “الفيتو” لمنع إدانة الكيان الصهيوني “إسرائيل” 80 مرة من أصل 260 مرة جرى فيها استخدام هذا الحق من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الخمسة -روسيا وأمريكا والصين وفرنسا وبريطانيا – منذ تأسيس مجلس الأمن، اي أن 30% من “حق النقض الفيتو” الذي مارسته الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن كان لمنع إدانة الكيان الصهيوني وحمايته. طبعًا هذا الشأن ينسحب على كل الهيئات الأممية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية ومحمكة العدل الدولية، أي أن الكيان الصهيوني مستثنى من نصوص القانون الدولي، لذا فإن معظم أفراد الشعب الفلسطيني ومعظم أفراد الشعوب العربية يرون في أي شيء له علاقة بالقانون الدولي وهيئاته المختلفة “ترهات” لا تفيد، ولا تتحرك مسنناتها إلا إذا كانت الدولة المستهدفة أو الأشخاص المستهدفين لا يمّتون بصلة للصهيونية و”اليهودية”. فلماذا وجع الرأس وإضاعة الوقت باللجوء إلى هذه الجهات؟
أنا أدعي أنني لست عدميًا، ولا أرى أن القانون الدولي والهيات الدولية غير ذات فائدة، بل العكس هو الصحيح، إذ يمكن توظيف هذه الهيئات لزيادة الضغط على الولايات المتحدة وعلى الكيان الصهيوني وعلى الدول الأوروبية المنافقة التي تدعم تل أبيب، وإدانتها أخلاقيًا عبر الهيئات الأممية، حتى لو لم نتمكن من إيقاع العقوبات بحق الكيان ومجرميه. لكن ينبغي أن تكون الخطوات باتجاه القانون الدولي وهيئاته المختلفة جهود مكملة للجهد الرئيس في المواجهة، وهو النضال الشعبي طويل الأمد بالوسائل المختلفة المتاحة، حينذاك يصبح القانون الدولي والهيئات الحقوقية الدولية ذات أهمية، لكنها ليست بديلة عن الكفاح الشعبي.
يذكرني القانون الدولي بقانون “ساكسونيا”، وهو القانون الذي ابتدعه حاكم مقاطعة “سكسونيا في القرن الخامس عشر، وهي مقاطعة ألمانية، كان هذا القانون يحاكم المجرم من الفقراء – الرعاع وفق نصوص هذا القانون – بقطع رقبته، أما إذا كان المجرم من النبلاء، فالقانون ينص على قطع رقبة ظله.
2024-09-26
