سنّة السادات….!
اضحوي الصعيب*
بعد قيام اسرائيل وفشل العرب في حرب عام 48 سقطت عدة حكومات عربية واتجهت الحكومات الجديدة الى الاتحاد السوڤييتي كرد فعل على انحياز الغرب لاسرائيل. فقدم لهم الاتحاد السوڤييتي وحلفاؤه الاشتراكيون كل ما يحتاجون من السلاح والدعم السياسي، الى ان جاء السادات وقرر دون مبرر تخريب علاقة بلاده مع الشرق والتوجه نحو الامريكان. وخاض حرب تشرين دون حليف دولي فأصبح على شفا هزيمة نكراء، الا ان السوڤييت تجاوزوا طعنته السياسية لهم وأقاموا جسراً جوياً بين موسكو والقاهرة لنقل العتاد الحربي فيما كانت الولايات المتحدة تقيم جسراً جوياً مع اسرائيل. وحين قام الجيش الاسرائيلي في الايام الاخيرة من الحرب بتطويق الجيش المصري الثالث اعلن السوڤييت انهم قرروا الدخول المباشر في الحرب فارتدعت اسرائيل ومن ورائها امريكا وتوقفت الحرب. فاستأنف السادات شتائمه للاتحاد السوڤييتي وثناءه على امريكا منذ ذلك اليوم الى ان رحل.
رحل السادات ولم ترحل سنّته المقلوبة في العمل السياسي. نصف قرن والعرب لا يقبلون وسيطاً (نزيهاً) بينهم وبين اسرائيل سوى امريكا او مَن تخوله امريكا. وينعتونها عسفاً بالحياد. وتنفي امريكا عن نفسها تهمة الحياد، وتؤكد بالقول والعمل انها حليف لاسرائيل وان سياستها في الشرق الاوسط مصممة على قياس المصالح الاسرائيلية، فيضع العرب أصابعهم في آذانهم ويصرون على حيادها ونزاهتها. وكلما وجهت لهم صفعة اعتبروها دليلاً اضافياً على حيادها ونزاهتها.
ولأن الصراع لم ينته على يديها رغم كل التنازلات قرروا ولوج الوهم واعتبار الصراع منتهياً، وبدأ مسلسل التطبيع والحب والغرام. لكن هناك قتلاً وتهجيراً! فما قصة اولئك الذين يُقتلون او يُهجرون او يُعتقلون؟ اولئك ارهابيون معادون لاسرائيل وللعرب على حد سواء، وعلى اسرائيل والعرب محاربتهم معاً. لهذا الغرض أوجد مفهوم الارهاب وأصبح له معنىً واحد متفق عليه يطلق على كل من يعادي اسرائيل فيهب العرب قبل الصهاينة للتصدي له. وقد أُطلق مؤقتاً على داعش ومثيلاتها استمراراً لاطلاقه على امها القاعدة التي كانت معادية لاسرائيل. فلما انحرفت عن معاداة اسرائيل والغرب لم تكن الظروف فسيحة لتغيير المصطلحات. والان عادت المفاهيم الى دلالاتها ومصطلح الارهاب الى المقاومين في كل امصارهم.
بلغت سنّة السادات ذروتها قبل بضع سنوات عندما انكر العرب كلياً وبأثر رجعي وجود صراع عربي اسرائيلي.. فالعرب واليهود أمة واحدة، ابراهيمية، لها عدوٌ واحد فارسي مجوسي صفوي رافضي. كان ذلك قمة البناء الرفيع الذي انفجر تحته طوفان الاقصى فتداعى ركاماً.
أُخذوا على حين غرة وظنوه هزة ارضية عابرة لا يسجلها مقياس رختر. وانتظروا ساعاتٍ وأياماً ريثما يعصف الصهاينة بهذه الفقاعة ويعيدوا المياه الى مجاريها. غير ان الشهور توالت وحصان رهاناتهم يتعثر بالحفر والانفاق من كبوة الى كبوة. فعادوا الى الوسيط المحايد النزيه ليعيد ترتيب الاوراق، وشدّوا أزره بانظمة عربية، نزيهة ومحايدة ومطبعة وابراهيمية، كمصر، لحل الصراع بالعدل والانصاف.
أرأيتم من قبل وسيطاً يعتبر أحد طرفي النزاع ارهابياً، ويعلن كل يوم دخوله الحرب بكل ما يملك نصرةً لأحدهما على الاخر، ثم يشاد بوساطته ويُثنى عليه وتعتبر اجراءاته منتهى العدل؟. ذاك ما لم يحصل في التاريخ ولن يحصل في المستقبل الا مرةً عربيةً استنّها السادات فنال اجرها واجر من سار عليها الى يوم الطوفان.
( اضحوي _ 1812 )
2024-08-10
