ساسة وافدون من عالم آخر!
ابو زيزوم .
لا ننفي وجود سياسات غبية ، فالساسة كغيرهم من الناس متفاوتون في مدى ادراكهم . لكن هناك سلوكيات سياسية موغلة في الغباء رغم ان القائمين بها قد لا يكونون اغبياء . تلك حالة نادرة جداً الا ان لها نموذجاً ساطعاً في هذه الأيام ممثلاً بالمطبات الشنيعة التي ترتكس فيها السياسة السعودية منذ ثلاث سنوات . فأنا غير قادر على تقييم المؤهل العقلي لإبن سلمان بالنظر لعزوفه عن الكلام ، واذا لجأنا الى التعرف عليه من خلال سياساته العجيبة نخلص الى انه قاصر العقل بدرجة مريعة ! فإعتقاله لرئيس الوزراء اللبناني وتقطيعه لخاشقجي وحصاره لقطر ومواصلته حرب اليمن وإغراقه سوق النفط وغير ذلك كلها سياسات لا تنم عن عقل سليم ، فهل هو مخبول ؟ انا لا اعتقد ذلك وانما اعتقد انه منفصل عن الواقع .
الانفصال عن الواقع لا يشترط ان يكون المرء معزولاً مادياً وانما يتحقق بالانتماء العقلي لزمن مختلف نتيجة لظروف معينة . وبالنسبة للحكام تنشأ مثل هذه الحالة بين بعض الابناء الذين يولدون وينشأون في كنف السلطان ويعتادون على ان يُطاعوا من غير نقاش وتلبى رغباتهم في الحال . هؤلاء رغم وجودهم بين البشر العاديين ورؤيتهم لكل ما نرى من صروف الحياة يكونون مختلفين في أعماقهم وينتمون الى عصور خلت من الطغيان . ومهما اصطدموا بالواقع فإنهم غير مستعدين للإقرار بأن عليهم تغيير نمط تفكيرهم . ولا تتكشف العاهة التي يعانون منها الا عندما يتولون الحكم ، خصوصا أولئك الذين تؤول اليهم مقاليد الأمور في وقت مبكر .
من الواضح ان محمد بن سلمان مصر على مواصلة الطريق الذي يسير فيه من كبوة الى اخرى. ولا شك انه يرى نفسه منتصراً في قضية خاشقجي طالما ان الأخير قُتِل . والدليل انه حاول تكرار نفس العملية وبنفس الأدوات مع شخص آخر في بلد آخر . قضية سعد الجبري التي تحتل الصدارة في كبريات الصحف الغربية ليست الا استنساخاً لعملية اغتيال خاشقجي وهذا يعني انه لا يعتبر هذا الأسلوب خطأً !. الا انه تردى في هاوية لا تقل عمقاً عن الاولى ، وربما سيدفع بسببها ثمناً أغلى مما دفع من قبل .
الجبري رجل امن سعودي ضليع بأشد اسرار البلاد خطورة ، ولديه شبكة علاقات واسعة مع اجهزة المخابرات الغربية والأمريكية منها على وجه الخصوص . وعندما ادرك بحسه الأمني العالي انه سيكون هدفاً لإبن سلمان أسوة بأمثاله من المحسوبين على ابن نايف أخذ يعد العدة للمواجهة ، والعدة وثائق وملفات كثيرة حملها ورحل الى كندا . فحاول ابن سلمان استعادته بالأساليب المكشوفة من إغراءات وتهديدات . واتصل به مباشرة عن طريق الواتساب ، وأرسل فريقاً لإغتياله فكشفت المخابرات الامريكية والكندية ذلك .
الان تقدم الجبري بدعوى قضائية امام واحدة من اكثر المحاكم الامريكية سرعة في اجراءاتها . وضمّن الدعوى وثائق دامغة بينها رسائل ابن سلمان بأخطائها الإملائية . فما كان من المحكمة الا ان أمهلت المتهمين ثلاثة أسابيع للرد . ولقد جاء اختيار التوقيت مدروساً بعناية قبل الانتخابات الامريكية بأسابيع لإحراج ترامب امام ناخبيه كمدافع اول عن سياسات ابن سلمان المعروضة امام المحاكم الامريكية .
لن نتوسع اكثر في التوقعات وانما نقول ان امام ابن سلمان خيارين رئيسيين : الاول ان يقنع الجبري بالتنازل عن الدعوى من خلال تقديم أثمان طائلة . والثاني ان يخنق أباه ويعتلي العرش لإضفاء الحصانة الرسمية على شخصه الملاحق .
( ابو زيزوم _ 875 )
2020-08-12