رحلة الثورة والقلم!
أبو علاء منصور.
لم يخطر ببالي يوماً أن أكون كاتباً، فأنا لستُ صاحب موهبة كتابية، لكني قارئ نهم، وأملك رصيد خبرات، وقابل للتعلم، وأنا شديد الإيمان بأن الخبرات كالبشر، تموت إن لم تُستخدم وتُوَثّق. واعتدت مبكراً كتابة مواضيع ذات طابع توثيقي وعملي. وهناك أشخاص تركوا أثراً في مسيرتي الكتابية، أولهم أبو حسين حسن صالح. في نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، كان صديقي رئيساً لتحرير مجلة وطني التابعة لجيش التحرير الوطني الفلسطيني، يومها طلب مني أن أكتب عن التجربة العسكرية الفلسطينية في الأرض المحتلة. كتبتُ فأعجب بما قرأه، وراح يطلب المزيد. وحين كنت أشاهد كتاباتي على صفحات المجلة، كان ذلك يُشجعني. والثاني المرحوم صالح البرغوثي! ذات يوم اتصل بي الصديق الدكتور جمال الخطيب وقال: (ألم تُطلعني قبل مدة على مقال لك بعنوان الهيبة بين الشكل والجوهر؟). قلت: (بلى). قال: (المقال مكتوب في جريدة أردنيه، قرأته واحتفظتُ لك بالجريدة). مفاجأة رائعة وأنا أقرأ ما كتبه البرغوثي: (أتنازل عن كتابة مقالي الأسبوعي، لأضع بين يدي القارئ الكريم مقالاً من أفضل ما قرأت). كان البرغوثي يعني مقالي الذي اقتبسه من مجلة وطني. والأهم وقع في في انتفاضة الأقصى. ففي ثلاث سنوات التخفي الثقيلة، قرأت 300 كتاب وكتبت 20000 صفحة في عشرين دفتراً، فوجدت نفسي كسيدة حامل في شهرها التاسع. رصيد ضخم، حان وقت الولادة. جاء ذلك بتشجيع الصديق يحيى يخلف، الذي أصدر باكورة كتبي: بلعين في المقاومة الشعبية.
في الماضي كنت أظن أن الكاتب شخص عبقري، لكني اكتشفت أن الأمر ليس كذلك بالضبط. نعم هناك مواهب وعباقرة، لكن هؤلاء اكتشفوا إمكاناتهم، وواصلوا تنمية قدراتهم بجد واجتهاد، هنا عبقريتهم…. وأنا طفل كنت أراقب والدتي وهي تهيء العجين للخبيز: تعجنه، تُردِّدَهُ، ثم تدعه يرتاح، تُقطعه وتدعه يرتاح مجدداً وهكذا… كانت عليها رحمة الله تمارس عمليات إنضاج.
علمتني التجربة أن من يبدأ لا بد أن يصل، هذا لا ينطبق على الكتابة فقط، بل على كل شيء في الحياة. ابدأ وتصرف بجدية وسترى النتيجة. والكتابة عندي عملية تفريغ وشحن، صحة نفسية. من لا يقرأ كثيراً لن يكتب جيداً، وعلى الكاتب أن يكون كريماً في الشطب، أن لا يتردد في ذلك أبداً، وإلاّ أرهق ذهن القارئ بتفاصيل مملة، وكلمات باردة تفتقر لدفئ الروح. والصدق من أبجديات الكتابة المؤثرة. فنحن نكتب لبشر يُحسون وينفعلون! والكاتب الجيد يجعل القارئ يندهش، يغضب، يفرح، يصفق، يبكي، ينهض، ويصيح. إن لم يشعر القارئ أنه جزء من الحكاية لن ينفعل بها، هذا يعني أن الكاتب فشل في إيصال رسالته. أحاول قدر المستطاع أن لا أقع في هذا المطب. وبهدف تعلم كيف لا أكون مملاً، فإنني أُجبر نفسي على مواصلة قراءة ما أتورط به من كتب مملة. وأخيراً تعلمتُ أنه يصعب على من يركض خلف لقمة عيشه أن يبدع. أنا لدي استقرار أُسريٌ، وراتب تقاعدي، وأملك وقتي. وفي النهاية على المرء أن يحذر الإفراط في الثقة بالذاكرة، فالأفكار كالبنزين، تتطاير.
2020-05-19