مرة أخرى عن المنظمة الثورية، والحركة الثورية والشعب!
جمال الطاهات
الحركة الثورية هي ناتج امتزاج منظمة العمل الثوري مع الشعب. فلا توجد منظمة عمل ثوري أكبر من شعبها، وتضع شرطها أن يكون الشعب جاهز للثورة حتى تبدأ العمل الثوري. ولا يوجد ثوار أهم من شعوبهم. كما أن أحد أهم قوانين التحول الثوري، هي أن على الثوار ومنظماتهم التي ستنشئ الحركة الثورية، اثبات استحقاقهم للدعم الشعبي، وليس على الشعب أن يثبت استحقاقه لوجود ثوار يناضلون من اجله.
الحركات الثورية التي انتصرت، نشأت نتيجة تفاعل مجموعة ثوار -قليلة جداً، وعلى عدد أصابع اليد- مع الشعب. مع تحقيق بعض الانتصارات، تبدأ الشعوب بتقديم ما يلزم من دعم واسناد وتأييد، حتى تتمكن المنظمة الثورية الصغيرة من التحول إلى حركة ثورية قادرة على النصر.
واحدة من أهم الدروس هي الدعوة الإسلامية كثورة عظيمة في القرن السابع الميلادي، بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لقد بدأت بعدة أفراد، “آمنوا”، بضرورة الإسلام، وآمنوا بحتمية النصر. وبعد ثلاث عشر عام، هاجر المؤمنون للمدينة المنورة. وخاضوا من هناك العديد من المعارك، حتى “جاء نصر الله والفتح” وتم فتح مكة، وبعدها “ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا”. عشر سنوات في المدينة المنورة، حولت الدعوة إلى حركة ثورية (فكرة وجماهير تؤمن بها) غيرت وجه العالم.
لقد خضعت الدعوة الإسلامية لمنطق الحياة، وللقوانين والسنن الكونية، لتكون مرجعاً لتعليم البشرية. وكان تكريم الله للمؤمنين، أن عززهم ليتحملوا مشاق الصراع من اجل النصر، ولم يمنحهم (وهو العلي القدير) نصراً مجانياً، دون مكابدة مصاعب الجهاد. وهذه الميزة المشتركة لكل الثورات الناجحة، ثلة تؤمن، فتحول الدعوة والفكرة إلى حركة ثورية تغير وجه العالم، وتعلن بداية تاريخ جديد.
الثورة الكوبية، أُجهضت أول مرة، وأعادت تجميع قوتها، واستأنفت مسيرتها، مستفيدة من خبرتها، وتمكنت بعد أن احتلت إحدى المدن الكوبية بانضمام العديد من حامية المستبد الفاسد فيها لكاسترو ورفاقه، من الحصول على ثقة الشعب الكوبي، الدي خرج بالآلاف دعماً للثورة، وقام بإسقاط الديكتاتور الفاسد. فالمنظمة الثورية كان هدفها أن تساعد الجماهير لتستعيد ثقتها بنفسها، فتخلع الديكتاتور. والمطلوب من المنظمة الثورية تحقيق منجز يدفع الناس للثقة بخيار الحل الثوري وتنبثق عندها الحركة الثورية.
وهذا ما جرى في الثورة الامريكية. إذ انتهت فترة الاستعصاء والمعاناة والارتباك، بهجوم الثوار على حامية مدينة ترينتون ليلة 25/12/1776. فتسللوا مع العاصفة الثلجية، وكان أكثر من تسعين بالمئة منهم حفاة بلا أحذية. سيطروا على الحامية صباح اليوم التالي، وغنموا الكثير من الأسلحة والألبسة والمعدات العسكرية. بعدها جاء المتطوعون للالتحاق بجيش الثورة بالآلاف، وانبثقت الحركة الثورية القادرة على النصر. وذات القصة، بتفاصيل مختلفة قليلاً حصلت مع الثورة الجزائرية. وهي ذات قصة النصر للثورة الإيرانية، ولغيرها. معركة فاصلة تعزز ثقة الشعب بالخيار الثوري، وتتحول المنظمة الثورية إلى حركة ثورية.
كل المنظمات الثورية، كانت مهمتها النضال والتضحية والمواجهة، حتى يسترد الشعب ثقته بالخيار الثوري. وفي اللحظة التي تؤمن فيها الجماهير بالثورة، تنبثق الحركة الثورية فتقوم بخلع المستبدين الفاسدين. المنظمة الثورية مهمتها ليس أن تناضل نيابة عن الشعب، بل أن تضحي وتخوض المعارك حتى يؤمن الشعب بالخيار الثوري، وتنبثق الحركة الثورية التي تعبر عن تحرك الكتلة المركزية للشعب بشكل حاسم لإسقاط بالمستبد الفاسد، وتصفية آثاره، وبناء البديل.
فليس مطلوباً من الحركة الوطنية الأردنية أن تحارب وتنتصر نيابة عن الشعب الأردني، بل تناضل وتصمد لتحقيق الانتصارات في المجالات التي تقويها، وتضعف المستبد الفاسد، وصولاً إلى اللحظة التي تقتنع فيها جماهير شعبنا بجدوى وإمكانية الخيار الثوري، عندها ستقوم الجماهير (عبر الحركة الثورية) بالثورة المطلوبة. فالثورة تتحقق بالشعب ومن أجله وبقوته، وليس نيابة عنه. فالشعب هو من يقوم بالثورة عبر طليعته الحية التي قد تصل في اللحظة الثورية إلى ما يزيد عن عشرة بالمئة من مجموع المواطنين.
ومن اجل هذا الهدف، مطلوب من المنظمة الثورية حتى تنبثق الحركة الثورية، أن توضح معالم الفكرة الثورية بما فيها مرحلة ما بعد المستبد الفاسد، وبناء شبكة عمل وطني فعالة، في كل قطاعات الدولة الحيوية، لاستئناف العمل المؤسسي بأسسه الجديدة، لتكون الثورة خطوة من اجل مستقبل بمعالم واضحة. فالجماهير لا تتخلص من مستبديها إذا لم يتشكل لديها يقين كافي حول المرحلة التالية. والحركات الثورية التي أخفقت في تقديم البديل الواضح لتبديد عدم اليقين حول المستقبل، وأرادت أن تكون بديلاً للجماهير، هُزمت، وأسقطت اوطانها في الفوضى.
وحتى تنبثق الحركة الثورية مطلوب اولاً التصدي للطغيان، وتقديم نموذج للفعل الثوري (ما الذي يمكن عمله للتخلص من الاستبداد والفساد؟). وثانياً تقديم تصورات لخيارات وسياسات واستراتيجيات قطاعية بديلة، وإشراك العاملين في مؤسسات الدولة بهذه المهمة. وهذا يحمي مؤسسات الدولة من الانهيار، ويمكن من استئناف الحياة المدنية بأسرع وقت ممكن بعد التخلص من المستبد الفاسد.
مطلوب من المنظمة الثورية – حتى تنبثق الحركة الثورية- عمل دؤوب، وانتصار يُبشر بتعديل موازين القوى لصالح الشعب، لتمكينه من تبني الخيار الثوري وانفاذه. أما الحديث عما إذا كان شعبنا مهيأ للثورة (بشكل سابق على وجود الحركة الثورية)، أو ما إذا كان شعبنا يستحق النضال من أجله، فهذا حديث المهزومين، وليس حديث الثوار الساعين للنصر.
2024-08-07
