رئاسيّات بولندا:
فوز ناوروكي يشعل أزمة داخل حكومة توسك ويقلق بروكسيل
فوز المرشح اليميني كارول ناوروكي بالرئاسة في بولندا بفارق ضئيل يقلق الاتحاد الأوروبي، ويعزز من نفوذ اليمين الشعبوي عبر القارة، في ظل انقسام داخلي متصاعد، ومخاوف من شلل سياسي واسع مع تردد دعوات لإعادة التفاوض حول صيغة ائتلاف حكومة الليبرالي دونالد تاسك.
سعيد محمد*
أثار فوز المرشح القومي المحافظ كارول ناوروكي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البولندية عاصفة سياسية داخلية، بعدما وجّه ضربة قوية لحكومة رئيس الوزراء الليبرالي دونالد توسك، التي تخوض منذ أواخر 2023 معركة صعبة لاستعادة موقع بولندا في قلب الاتحاد الأوروبي. الهامش الضيقّ، الذي حسم النتيجة لصالح ناوروكي بفارق لم يتجاوز 1.8 بالمائة من مجموع الأصوات، دفع قوى داخل الائتلاف الحاكم إلى المطالبة بإعادة التفاوض على ترتيبات التحالف السياسي.
وكان شيمون هولونيا، رئيس مجلس النواب وزعيم حزب “بولسكا 2050″، أول من أطلق هذه الدعوات. وقال هولونيا، الذي حل خامساً في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة، إن النتيجة تمثل “بطاقة صفراء، وربما حتى حمراء” للحكومة، داعياً إلى مراجعة أولوياتها، وخطابها السياسي تجاه الناخبين البولنديين.
ويمتلك شاغل منصب الرئيس البولندي سلطات محدودة وفق الدّستور، لكنه يحتفظ بحق النقض (الفيتو) الذي يصعب تجاوزه في غياب أغلبية من ثلاثة أخماس مقاعد البرلمان، وهي أغلبية لا يمتلكها تحالف توسك الحاكم. ما يعني عملياً أن ناوروكي سيكون قادراً على تعطيل مشاريع السياسات التي تعهد بها توسك ويدعمها الاتحاد الأوروبيّ، وفي مقدمتها إصلاح القضاء، وقوانين الحريات الاجتماعية.
من هنا، يرجح الخبراء بالشؤون البولنديّة أن يلجأ توسك إلى طرح الثقة بحكومته في البرلمان كخطوة لتثبيت موقعه وإسكات المشككين في قدرة الائتلاف على الصمود. لكن البعض يعتبر أن خطوة مثل تلك كأنها مقامرة سياسية، قد تؤدي إلى تفكك التحالف أكثر منها إلى توحيده.
فوز ناوروكي – 42 عاماً -، كان بمثابة عودة قوية لحزب “القانون والعدالة” اليميني الشعبوي، الذي حكم البلاد بين 2015 و2023. فقد تلقى أستاذ التاريخ حديث العهد بالسياسة الذي لم يشغل سابقاً أي منصب منتخب دعماً صريحاً من الحزب، كما من حلفائه في الخارج مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيمة حزب التجمع الوطني الفرنسي – أقصى اليمين – مارين لوبان التي اعتبرت فوزه “رفضاً لأوليغارشية بروكسيل” – على حد تعبيرها -.
كما تلقى من واشنطن تأييداً صريحاً، إذ ظهر ناوروكي إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في صورة بالمكتب البيضاوي، ونال دعم شخصيات بارزة في التيار اليميني الأمريكي حضرت مؤتمراً للمحافظين نُظّم مؤخراً في وارسو.
الليبراليّون في بروكسيل ووارسو على السواء تغشاهم الخشية الآن من أن يؤدي فوز ناوروكي إلى شلل فعلي في مؤسسات الحكم، وعرقلة وصول بولندا إلى عشرات المليارات من أموال الاتحاد الأوروبي التي جُمدت سابقاً بسبب انتهاكات لسيادة القانون وفق معايير بيروقراطية المفوضيّة الأوروبيّة.
ورغم تطمينات من مسؤولين في الاتحاد بأنهم “واثقون من أن (الإصلاحات) ستستمر”، فإن دعم ناوروكي لحزب “القانون والعدالة”، الذي قاد الهجوم على استقلال القضاء، ينذر بعكس ذلك.
على الجبهة الداخلية، يعيش الائتلاف الحاكم حالة من التوتر المتصاعد. إذ تسود الخلافات بين الأجنحة المختلفة من اليساريين والليبراليين والمحافظين المعتدلين شركاء ائتلاف حكومة توسك. ومع تولي يميني جليّ الأدلجة رئاسة الجمهوريّة، فقد يواجه هذا التحالف تهديداً وجودياً.
ونقلت الصحف عن مصادر قالت إنها مطلعة علمها بمشاورات بين حزب “الكونفدرالية” اليميني المتطرف، بقيادة سلاومير مينتزن، وحزب “القانون والعدالة” لتشكيل نواة تحالف يميني جديد قادر على خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة والفوز بالأغلبية في حال تفكك ائتلاف توسك، وانهارت الحكومة، وتطلب الأمر الدعوة إلى انتخابات مبكرة، علماً بأن الانتخابات البرلمانية العادية مجدولة بحلول 11 نوفمبر 2027 كحد أقصى.
ويأتي هذا الاستقطاب الحاد في بولندا على خلفيّة موجة من صعود لتيارات أقصى اليمين التي كادت تنتزع خلال الأسبوعين الماضيين منصب الرئاسة في رومانيا، وكسرت نصف قرن من هيمنة الأحزاب الوسطية على البرلمان في البرتغال ليصبح حزب تشيجا – أقصى اليمين – ثاني أكبر كتلة من حيث عدد المقاعد، وقائداً للمعارضة في مواجهة حكومة أقلية هشّة.
ومع أن هذه الموجة تبدو كانعكاس لصراع أوسع بين توجهين متضادين داخل الغرب: من جهة، تيار نيوليبرالي مؤيد للاتحاد الأوروبي والتكامل المؤسساتي بقيادة بروكسيل، ومن جهة أخرى، تيار قومي شعبوي، يستلهم تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويرى في السيادة الوطنية أولوية مطلقة. لكّن الواقع أن التوجه الشعبيّ العام في مختلف أنحاء أوروبا نحو اليمين يظل مع ذلك نتيجة ثانوية منطقيّة للإحباط الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه الأكثريات عبر القارة نتيجة فشل النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي لم يعد يخدم الأكثرية، ومع ذلك لا تبرح النخب الحاكمة طوال عقود متمسكة به، وتدافع عنه بشراسة وصلف، وهو ما تترجمه التيارات الفاشيستية إلى حرب ثقافية ضد المهاجرين والآخر المختلف، دون أيّ مساس بالهياكل الأساسية للأنظمة التي تركّز الثروات بيد قلّة متنفذة على حساب الآخرين.
لقد تحوّلت بولندا لتوّها إلى أحدث ساحة مواجهة هذين النموذجين المتنازعين شكلاً في الغرب، وخلفيات ما يجري في كواليس وارسو ليست تتعلق بالسياسات المحليّة، بقدر ما هي جزء من صراع أيديولوجي يأخذ بعداً عالميّاً.
ولعل أحد تلك الأبعاد يتعلق بالحرب في أوكرانيا، إذ تعهد ناوروكي بمواصلة الدعم العسكري لكييف، لكنه أبدى تحفظات واضحة على عضويتها المحتملة في الاتحاد الأوروبي، أو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وركز الإعلام الغربيّ على استخدامه خلال حملته لهجة شعبوية في مخاطبة اللاجئين الأوكرانيين، قائلاً إن “التقدمات الاجتماعية يجب أن تكون للبولنديين أولاً”. ومن شأن هذا التوجه أن يعقّد موقف بولندا في أي تحالف أوروبي موحد بشأن أوكرانيا، خاصة إذا بدأ اليمين باستخدام قوة الفيتو الرئاسي كأداة لإبطاء سياسات الدعم المالي والعسكريّ والاستخباراتيّ الأوروبية لنظام كييف.
ما يبدو واضحاً اليوم هو أن حكومة توسك باتت في موقع هش للغاية. فالرئيس الجديد ليس فقط خصماً سياسياً، بل يمثل اتجاهاً معاكساً تماماً لسياسات الحكومة داخلياً وخارجياً. ومن المتوقع أن يكون أكثر عدائيّة من الرئيس المنتهية ولايته أندريه دودا – بدوره من حزب القانون والعدالة – الذي استخدم بشكل متكرر حقق النقض لمنع مشاريع قوانين تاسك. ومع غياب القدرة البرلمانية على كسر الفيتو الرئاسي، تصبح بولندا فعلياً تحت حكم شيزوفرني منفصم حتى موعد الانتخابات التالية، أو إلى أن ينجح أحد الأطراف في فرض أمر واقع جديد.
– لندن

2025-06-04