رؤوس الخنازير على ابواب المساجد في فرنسا!
رنا علوان
نبدأ المقال بسؤال ، هل هي موجة اسلاموفوبيا جديدة ؟؟؟ ام أن هناك ما يُحاك ابعد من ذلك ؟؟؟
في حدث ليس كسابقة ، لأن فرنسا تاريخها بات مليء بهذه الإساءات ، وخصوصًا للدين الإسلامي ، حيث كان اشهرها الرسم الكاريكاتوري المُسيء للرسول (ص) الذي نشرته المجلة الفرنسية في 2006 “شارلي إيبدو ” ، مما أدى إلى هجوم إرهابي على مكاتبها في 2015 ، بسبب النشر المتكرر للرسوم ، وإعادة تقديم رسوم مشابهة من قبل معلم في فرنسا تسببت في جريمة قتل … أدت كل هذه الأحداث إلى استقطاب واسع في الرأي العام العالمي ، بين مُندّد ، وبين مُدافع ، وصولاً لإعتبارها مجرد حرية تعبير
وبالعودّة الى الحدث فقد أثارت عدة صحف فرنسية مسألة العثور على رؤوس خنازير أمام بعض المساجد في فرنسا صباح يوم أمس الثلاثاء ، واتفقت على أنها تدخل في سياق موجة جديدة من كراهية الإسلام ، ولا تستبعد الشرطة أن تكون تدخلاً أجنبيًا
كما اعتبر موقع ميديا بارت أن وجود رؤوس خنازير أمام المساجد يدخل في خانة أعمال التخريب المعادية للإسلام ، وأثارت صحيفة لوفيغارو مع الشرطة احتمال وجود مخطط مقصود ، في حين رأت لوموند في الأمر “خطوة جديدة ومحزنة في تصاعد كراهية المسلمين” وأشار الموقع إلى أن هذا العمل المعادي للإسلام ليس عملاً فرديًا ، إذ عثر في هذا الصباح على 9 رؤوس خنازير ملقاة قرب 9 مساجد في منطقة إيل دو فرانس ، 4 منها في باريس
تعريف الاسلاموفوبيا او [ رهاب الإسلام ]
هو مصطلح يعني “‘الخوف غير المبرر من الاسلام”‘ ، وإذا كان الكثيرون يعتبرون أنّ الإسلاموفوبيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقضايا الإرهاب الحديثة أو الآنيّة ، فهم خاطئون
حيث يقول متخصصو الأنتروبولوجيا ، أنّ “العداء للإسلام” أقدمُ بكثير من ذلك ، وأنّ جذوره ترجع إلى أكثر من مائة عام ، قبل أن يتم الترويج لها في وسائل الإعلام الغربية مع نهاية القرن العشرين ، وقبل أن تدخل مرحلةً جديدة مع أحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية
وفرنسا كانت اول من سعت لتثبيت هذا النمط ، فلقد ظهر مُصطلح “الإسلاموفوبيا” أوّل مرّة عند المفكّرين وعُلماء الاجتماع الفرنسيين خلال زمن الاستعمار الفرنسي لمجموعةٍ من البلدان المسلمة [ بتعبيرٍ أدقّ ، يعود هذا المصطلح إلى زمن الأنتروبولوجيا الكولونيالية الفرنسية في بداية القرن العشرين ]
كان ذلك عام 1910 ، حين أصدر المفكّر الفرنسي آلان كيليان Alain Quellien كتابه “السّياسة المسلمة في أفريقيا الغربية الفرنسية”
وبين ثنايا الكتاب وطياته ، عرّفَ الإسلاموفوبيا بكونها حكمًا مسبقًا ضدّ الإسلام ، اي حكمًا منتشرًا عند شعوب الحضارة الغربية والمسيحية
وقد ساعد التاريخ القديم في تعزيز هذه الفكرة ، فمثلاً عبارة أن [ الإسلام لم ينتشر إلا بحد السيف ] وانتقاء عبارات مماثلة دون توضيح اي من سياق الاحداث ، جعل الغرب يُسلّم لهذه الفكرة التي تم العمل عليها وترويجها ، لتشويه صورة الاسلام
فضلاً عن ان المجتمعات الغربيّة بشكل عام ، لا تهتم للغوص في معرفة ( تسلسل الاحداث التاريخيّة ) ، اذ يعتقد الكثير ، بأن الاسلام جاء بعد الديانتين اليهودية والمسيحية ) وهو اعتقاد خاطئ ، فالنبي ابراهيم كان دينه [ الاسلام ( حنيفًا مُسلمًا ) ] ، ما يدل ذلك على وجود لغط ما في ترسيخ الافكار والمعتقدات ، وقد يكون مُتعمدًا ، وهنا نلاحظ كيف ان الديانة الآبراهمية التي يتم العمل على نشرها نُسبت للنبي ابراهيم (ع) لإعتباره “‘أبو الأنبياء “‘
أما في الألفية الثالثة ، اي بعد احداث 11 ايلول /سبتمبر ، اصبحت الاسلاموفوبيا ، نزعةٌ عامّة قائمة في المجتمعات الغربية ، فهي كانت عبارة عن هندسة كاملة بحدّ ذاتها ، [ بدءًا بصناعة الشخصيات وتسميتهم بأسماء مُكناة وصناعة الاحداث الارهابية ، وتمويلهم بكل ما يحتاجون اليه ، من ثم تجيش الاعلام عليهم ، وصولاً للقضاء عليهم ] ، ما يدُل ذلك على وجود جهود دؤوبة ، تفتعل هذه النزعة وتُذكيّها ، لأغراضٍ سياسيّة بحتة
ولعل أكثر من استفاد من هذا ( المُنتاج الواقعي ) هم أحزاب اليمين المُتطرّف ، حيث نجد هذه الأحزاب تفتعل احداث مُعينة يقوم بتبنيها اشخاص يدّعون الاسلام ، ويكونوا مدفوعي الآجر ، وعادةً ما يكون ذلك قبل الانتخابات ، من ثم يتم طرح موضوع الهجرة بشكل عنصري ومقيت
-التصريحات تتوقع تدخل خارجي
لم تستبعد الشرطة الفرنسية أن تكون هذه الأعمال منسقة ، ولم تستبعد أن تكون لها دوافع معادية للإسلام أو أن تكون تدخلًا أجنبيًا ، حيث قال لوران نونيز قائد شرطة باريس “لا يسعنا إلا أن نقارن هذه الأفعال بأفعال سابقة ، ثبت أنها أعمال تدخل أجنبي”
وأظهرت صور كاميرات المراقبة من محيط مسجد مونتروي رجلاً يرتدي سترة سوداء بغطاء رأس وحذاء رياضي أبيض وجينز أزرق داكن ، مر بمحاذاة المبنى عند الساعة 5:05 صباحًا ، وتوقف أمام مدخل المسجد وفتح حقيبته وأخرج شيئًا تركه أمام الباب ، ثم استدار لإلتقاط صورة لما تركه ، والتقط صورتين أخريين من مسافة بعيدة ، ثم انصرف
أما عمدة مونتروي الشيوعي باتريس بيساك فسارع إلى إصدار بيان يُندد “بأعمال كراهية معادية للإسلام تمثل اعتداءً خطيرًا على حرية المعتقد وعلى قيمنا ومجتمعنا وأمتنا”
كما توّجه المسؤول المنتخب إلى مسجد الإصلاح للقاء الإمام عثمان سوماري ، وقال في خطاب أمام حوالي 50 مصليًا وبعض وسائل الإعلام [“بعد أعمال الكراهية التي وقعت هذا الصباح ، نود أن نعرب عن مودتنا ودعمنا … هذه الأعمال لا تؤثر علينا ، فنحن نؤمن بأن ما يجمعنا أقوى من أعمال الكراهية هذه”]
واعتبر وزير الداخلية المنتهية ولايته برونو روتايو أن هذه الأعمال “غير مقبولة إطلاقًا”، وقال إنه يأمل “أن نعثر على مرتكبي هذا النوع من التدنيس”، وأوضح أن “الجمهورية هي العلمانية ، وأن العلمانية هي الحرية في أن يتمكن كل فرد من ممارسة دينه ومعتقده كما يشاء”في المُقابل رد عليه النائب “‘عبد القادر لُحمُر”‘ من حزب فرنسا الأبيّة على ذلك قائلًا إن “هذا نفاق” وأضاف “عندما يصر وزير الداخلية على خطاب معاد للإسلام ويشرّعه ، فكيف لنا أن نستغرب تزايد الأعمال التي تستهدف المسلمين؟؟؟”
ماكرون بخط أزرق
المُلفت في الحدث هو ما نقلته صحيفة لوموند عن مكتب المدعي العام في باريس أن “العديد من رؤوس الخنازير كُتبت عليها لفظة “ماكرون” بالحبر الأزرق” ، وقالت إن التحقيق أُوكل إلى الفرقة الجنائية بتهمة ” التحريض العلني على الكراهية والعنف” في ظل الظروف المشددة
وقد غرد زعيم حزب فرنسا الأبيّة جان لوك ميلانشون على موقع التواصل الاجتماعي “إكس” قائلاً “بسبب دعم (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو) ودعم تصريحات وزير الداخلية ، ها هي كراهية الإسلام تنتشر بشكل جنوني في فرنسا”
هذه التغريدة تحمل الكثير في طياتها ، فالرمي هُنا على دعم بنيامين نتنياهو ، لكن الحقيقة اعمق من هذا بكثير ، فالتضامن الغربي مع القضيّة الفلسطينية ازداد بشكل لم نشهد له مثيل من قبل ، ما جعل العدو الإسرائيلي يخسر تعاطف العالم معه ويفضح وجهه الإجرامي ، ولمن لا يعلم ، ان هذا العدو استوطن كيانه الغاصب “‘بالتباكي”‘ واخترع قصة السامية ليصل الى فكرة عداوتها في آن لإستغلالها ، كما المحرقة التي شكك بها ابناء جلدته ونقدوها وبينوا زيفها … “‘تاريخ من التباكي الكاذب لنيل التعاطف عبر الإعلام المُسيس الذي يميل اينما مال هؤلاء الذين يملكون كامل السيطرة عليه الا ما رحم ربي”‘ … الآن بات التلميع صعب ولا ينفع مع كل هذا الإجرام الذي يُسطره عدونا ، وهذا “‘ التطهير العرقي”‘ الذي يُنفذه على مرآى ومسمع العالم اجمع
ومن سينخدع بما أتى عليه ماكرون من تغريدة حول الإعتراف بالدولة الفلسطينية أو تصريح مشروط بما يُثير السخرية ، فما ذلك سوى فقاعة لغاية في نفسه ، فرنسا لم تكُ يومًا حنونة فهي بإختصار إحدى الثالوث الشيطاني في العالم
كما انه لا يمكن فهم علاقة فرنسا المُعقدة مع الإسلام والمسلمين دون العودة إلى الذاكرة الاستعمارية ، خاصة في شمال أفريقيا (الجزائر وتونس والمغرب) ، وكذلك في دول أفريقية أخرى وشرق أوسطيه ، فقد خلّف الاستعمار الفرنسي إرثًا من العداء والكراهية
ختامًا ، لقد أصبحت الإسلاموفوبيا مادة تخضع للاستعمال والتوظيف ، وهو ما قد يخدم مصالح سياسية آنيّة ولعلّ أهمها اليوم هي أحداث غزة ، لكنه في العمق يضع أسسًا لأزمة مجتمعية عميقة ، قد تجعل أوروبا تعود إلى عصر الشموليات ، وهو ما لن يكون أثره على المكون الإسلامي وحده في النسيج المجتمعي الأوروبي ، وإنما سيقوض النسق الذي تولد من رحم نزاع الشموليات عقب الحرب العالمية الثانية … واتخذ له من الديمقراطية الليبرالية جوهر اجتماعه السياسي … ناهيك عن ان الاسلاموفوبيا مصطلح إمتد من موجة المشاريع الاستعمارية التقليدية ، إلى نظرية صِدام الحضارات ، وما أعقبها من تصنيف حدي للمجتمع الإنساني على أسس أيضًا حادة من التصنيف ، فقط ، لتقديم الإسلام وكأنه مشكلة البشرية وعدو المستقبل ، وهذا ما سيجعل من تحقيق مشروع الديانة الآبراهمية سهلاً ، كما ذكنا آنفًا … علمًا انها مشروع سياسي توسعي محض ، يهدف للقضاء على جميع الديانات الصحيحة التي تطالب بتحقيق العدالة وتتبنى فكر مقاومة الظلم اينما وجد
2025-09-11
