رأيان متعارضان، بل متناقضان: يسيطران على حركة الوعي، في تحليل واقعنا الراهن المعقد.!
رأي يغلق كل الأبواب، ويجزم أن أمريكا لا تغلب، ورأي يفتح أبواباً من الأمل، ويجزم أن الشعوب لا تغلب.
الواقع المعقد، وحجم القوى المشتبكة، وأبعاد الحرب، كل يراها من منظوره الخاص، وغالباً وفق رغباته.
محمد محسن
إذاً نحن أمام واحدٍ من موقفين :
إما الخنوع والقبول بالوصاية الأمريكية، وبالوجود الصهيوني؟ أو التحدي والمواجهة وتحمل الويلات، لأن الحرية لا تتحقق إلا بالتضحيات؟ لا نجادل في قوة أمريكا وقطبها، وتاريخ سيطرتها، وإلى حد ما تفردها، في السيطرة على المسار الحضاري بأفقه العام منذ الحرب العالمية الثانية، وازدادت هذه السيطرة رسوخاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتفكك حركة عدم الانحياز، واغتيال غالبية الحركات الوطنية في القارات الخمس، وهذا يجعل أمريكا (بعبع العالم) ومن يعترض يدمر، ويمزق، كما حدث في يوغسلافيا (تيتو)، وسورية، والعراق، وليبيا، واليمن. وجاء موقف الدول العربية، والإسلامية من حرب غزة، التي لا تشبه أية حرب سابقة، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، وحولت غزة إلى أرض محروقة، جاء هذا الموقف ليرسخ الانطباع أن المنطقة لا تزال تحت الوصاية الأمريكية، وهذا يعزز الرأي الأول القائل، بأن أمريكا عصية على الخسران. وأصحاب هذا الرأي ينقسمون إلى تيارين متقاطعين، عدد كبير من المثقفين (القشريين)، الذين انقلبوا على أعقابهم، من اليسار إلى اليمين، بعد أن فُجعوا بتاريخهم، فانتقلوا من الماركسية اللينينية، إلى اللبرالية الأمريكية، بل إلى المذهبيات الضيقة. يسعفهم البعض من قصيري النظر، والمردوعين من الطغيان الأمريكي، وإذا ما أضفنا لهم، كثير من العملاء باتو يشكلون الغالبية العظمى من المتحكمين بوسائل الإعلام العربية، والعالمية. أن الاستسلام، والخنوع لأمريكا وذراعها إسرائيل، يعني القبول بالأمر الواقع، وإعطاء صك الملكية للمنطقة للحاكم الأمريكي، الذي يفوض إسرائيل، في إدارة المنطقة، وهذه المصلحة، تقتضي تمزيق الممزق، وتسعير الصراعات المذهبية، والقومية القائمة، وحرمان جميع الدويلات العربية من أي شكل من أشكال الاستقرار، لأن الاستقرار يدفع للتفكير بالحرية، والحرية تستدعي التقدم.
أما فلسطين العربية، فستلغى من الجغرافيا والتاريخ، ومن جميع الخرائط، والمؤسسات الدولية، وتستبدل باسم (الدولة الصهيونية)، وتتحول هذه (الدولة) إلى مركز لإدارة المنطقة، يحج إليها العرب، لكسب ودها، ومساعدتها في حل جميع خلافاتها، والتوسط لها أمام الباب العالي الأمريكي. وهذا الواقع المذل المهين يرفضه كل عربي عاقل، له شرف الانتماء لأمته، لتاريخه، لإنسانيته، لأن من يقبل به، يقبل بالذل والخنوع، وأن يكون عبداً لغيره، وهذا يعني أن جينات الخنوع هي المسيطرة على مشاعره، وقيمه، وهو ملعونٌ، ملعون، من شعبه وأمته. فكــــــــــــــــــانت المقـــــــــــــاومة، التي تمثل شرف الأمة، والمدافع عن كرامتها. فكروا في صمود غزة. وانكسار صورة إسرائيل؟
فكروا: بسيطرة اليمنيين على حرية البحار، وما سيترتب على أمريكا، من عواقب جراء ذلك؟؟ فكروا بقدرات حزب الله، التي تعتبر أقوى قوة مقاومة في العالم؟
2024-09-10
