لم يذب الثلج تماما واذا بالمرج يكشف عن كل خفاياه، وكانه غير مصدق بنفسه. هذا ما حصل في اعلان التطبيع السياسي الاخير في مسلسله من قبل الرئيس الامريكي دونالد ترامب من واشنطن وليس من ابو ظبي مثلا، او منهما مرة واحدة، كما يفترض بمثل هذه الأمور. فلماذا حصل هذا؟. في الواقع لا يحتاج الى كثير تفكير، فترامب يجند كل طاقاته اليوم للانتخابات الرئاسية القادمة بعد اسابيع، وطموحاته في الفوز بدورة ثانية للجلوس في البيت الابيض. ومنها شراء راي عام محلي وخارجي، صهيوني وخوادمه، الذي يعرف جيدا طرق ارضائه وكسب وده على حساب اية قضية، وابرزها القضية الفلسطينية، التي خطط وصهره جاريد كوشنر خارطة طريق تصفيتها بصفقته التي وصفت في وسائل الاعلام والاتصال بصفقة العصر او صفعة القرن، والطريق اليها هو باختيار متخادميه من الحكام العرب ووضعهم امام مصلحته ورغبته وخططه واختبار ردهم، وكان قد سبقه هنري كيسنجر في مثل هذه القصة في لقائه مع الرئيس المصري السابق انور السادات الذي قال بعد جهوده واللقاء به بما يعني “انه كان يتمنى منه ان يوافق السادات على ارسال رسالة اطمئنان الى رئيسة وزراء الكيان حينها كخطوة اولى ليلحقها باخرى بعد زمن، واذا بالسادات يخبره عن استعداده اكثر منها، بالذهاب بنفسه الى “الكنيست ” والحوار معهم وجها لوجه، وكسر ما ادعاه ب” العقدة النفسية”. وحصل ما حصل، وتقدم السادات في خطواته الاستسلامية التي ادت الى فتح الطريق امام غيره للسير على خطاه، وكرت المسبحة عمليا ونظريا، فوقّعت بعده الاردن “اتفاقية السلام”! وبذلك قدمت حكومتا مصر والاردن بالذات ، لغيرهما ولحكومات الخليج، او اغلبها، طرق كسر اسوارها المغلقة كما تدعي وتعمل امام اي عامل عربي او باحث عن عمل بطريق مشروع وحر دون كفيل واذلال واضطهاد معلن، فكيف تجرؤ على تقليدهما، ولكن استبدلتها باحتضان ما سموه كذبا، مكاتب تجارية ومن ثم فضحت اهدافها ومراميها، وتطورت الى زيارات متبادلة بين المسؤولين الصهاينة وتلك العواصم، علنا ودون حرج او عقبى ضمير لما كان مضمرا او تحت الطاولة كما يقال. ومن بعدها عقدت مؤتمرات علنية بحضور رسمي علني واحتفال فوق ودي. ومع كل ذلك لم تتوقف وسائل الاعلام عن الترحيب بممثلي الكيان الصهيوني وإدخالهم الى بيوت كل العرب عبر الفضائيات والحوارات والفعاليات المشتركة واللقاءات السرية والعلنية وعلى جميع المستويات والصعد. اضافة الى مساهماتها في برامج ومشاريع الاعداء في التخريب والحصار والفتن.. ولم يعط الرئيس الاميركي ولا حليفه الاسرائيلي الحكام العرب وقتا لتمرير خداعهم وتضليلهم للعار الذي لبسوه، فقد صرحا بان اتفاقهم هذا عنوانه، “السلام مقابل السلام”!، يا سلام!… لا ارض ولا حدود ولا حقوق ولا تقرير مصير. فعن اي سلام وماذا يعني بعد معنى السلام ؟!. لا ينفع الكذب ولا الغش ولا الدجل حتى اللفظي، حتى هذا لم يمنحوه لاي من صفق لهم وهرول اليهم وتركوه مع سراب ما عرضوه له ومهمات لم تعد سرية وظفوه اليها، حماية مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة وتوفير ما لم يستطيعوا اخذه بكل خططهم ومشاريعهم، وفي الاعلان اختبار لهم اليوم. والمأساة الملهاة هو تسابقهم في التخادم وطلب الرضا والقبول. الرئيس الاميركي يريدها لحملة انتخابه والصهيوني لكسب الوقت والفترة العرجاء للرئاسة الامريكية ولمشاكله ومآزق وضعه الداخلي ومخططات حروبه وعمليات عدوانه، والحكام العرب يطبعون بلا مقابل حقيقي، ولم يبق للمطيعين المهرولين اليهما غير الاحتفال والرقص بعباءاتهم المزركشة بالذهب وتزكية انفسهم واغراء جيرانهم للحاق بهم، والتكاذب فيما بينهم، كما وعدهم بعضهم بسبق الاخبار وارتهان المسار. وبلع اغلبهم السنتهم ولكنهم اطلقوا لذبابهم الالكتروني ومرتزقتهم الفحص في الامتحان. ومع ذلك فليس كل ما يرغبونه يجري لهم ولا كل ما قاموا به يمر عليهم بسهولة، فحتى هنا مخاضات وتعقيدات وتراجعات مؤقتة لم يحسب لها حساب. ولكنها تراوح في التوقيت والانتظار واغتنام الفرص.. ورغم ذلك رسميا تخاذل كثيرون، وتراجف متنازلون، وتهادن اخرون، واجتمع الاغلب منهم في طابور الغدر وتمرير الصفعة على رقابهم ونكران حقوق الشعب وعدالة القضية وخيار الجماهير، وتواطأ صامتون وتبادل متهمون المواقع أو المواجع، وكأنهم في “عرس واوية”!. واعتبارها سحابة صيف عابرة لا مصير شعب ووطن وامة. ما حصل ليس اتفاقا ثلاثيا وحسب، بل هو مواصلة لما سبقه ومهد له، واستمرار لما بعده وما يلحقه، بالتسلسل او بالهدات المعروفة عند حكام سباقات الخيل والجمال وعلب الليل وقصور الشواطيء والسواحل واليخوت العائمة في البحار والمحيطات!، القائمة على حساب جوع الفقراء وحرمان الغلابة وحسرة المحرمين ودموع اليتامى وبكاء الثكالى.. و .. و.. سقط القناع، كما قال محمود درويش، سقط القناع عن القناع عن القناع سقط القناع قد أخسر الدنيا.. نعم لكني أقول الآن.. لا هي آخر الطلقات.. لا هي ما تبقى من هواء الأرض.. لا ما تبقى من حطام الروح.. لا حاصر حصارك لا مفر.. اضرب عدوك لا مفر.. سقطت ذراعك فالتقطها وسقطت قربك فالتقطني واضرب عدوك بي فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ ….. سقط القناع عرب ٌأطاعوا رومهم عربٌ وباعوا روحهم عرب ٌ…. وضاعوا..
والقصة لم تنته بعد، فكما خسرت القضية الفلسطينية اصدقاء كثرا في العالم بعد توقيع اتفاقية أوسلو ، وفقدت تحالفات مساندة بعد اتفاقيات العار بين عواصم عربية اخرى والكيان ، وتقلص الكثير في ما سموه مفاوضات السلام وحوارات الخطط المشبوهة وامثالها، الا ان فلسطين ظلت شوكة في عيون كل من تهرب عنها وكل من ادعى خلاف ما قال واذاع واعلن.. وشهدت دماء الشهداء وصلابة الاسرى وعزم الثابتين والمرابطين على الارض، انها الابقى، والانتصار لها، مهما ابتعد الهاربون منها وعنها والراكضون في سباقات الخزي الابدي. وقدمت دروسها لكل الاحرار في العالم، واصبحت مفردة (الانتفاضة) كلمة السر في كل لغات الدنيا، وظل علم فلسطين بالوانه العربية شعار الحراكات الشعبية وكوفية المناضلين في كل ساح وميدان، عربيا واجنبيا، ارادة شعب وخيار امة ورمز كفاح. وتبقى فلسطين بكل حروفها، وشعبها بكل تياراته وفصائله، يسردون قصتها وتظل القضية شامخة بعدالتها و ترسم مسارها الواضح والصريح، بالصمود والمقاومة والممانعة والصبر ، والإيمان بان النصر صبر ساعة.