دوائر الانتماء الحضارى لمصر والدائرة العربية!
د. محمد عبدالشفيع عيسى
يتكرر الحديث مردّدًا اسم وطننا الغالى مصر، دون داع مستحق أحيانا.ولعل ذلك يدعونا إلى استعراض وتحليل البدائل المختلفة لانتماء مصر فى دوائرها المتنوعة، فماذا نجد…؟ أول البدائل هو (مصر) وكفى! وقد يقول البعض من محبذى هذا البديل (إن مصر فوق الجميع).!.
وليس الحديث حول (مصر) وانتمائها فى الدوائر المختلفة لوجودها الحضارى والجغرافى، أمرًا طارئًا، فقد توّج أعمالاً علمية وثقافية غنية المحتوى، متنوعة المنابع، فى اتجاهات متعددة، تعكس الغنى النابع من موقع مصر الفريد. تقع مصر بين بحرين كبيرين نسبيا ومفتوحيْن على المحيطات (البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط) ويقع فيها شطر عظيم من أطول نهر فى العالم –ربما- نهر النيل، كما ينفتح فضاؤها الفسيح على شطر من «الصحراء الإفريقية الكبرى» وعلى شطر آخر من الصحراء على امتداد أواسط آسيا فى «شبه جزيرة سيناء». على ذلك تتنوع دوائر الانتماء الحضارى لمصر، كما تعكسها دعوات فكرية وحركات سياسية متنوعة، نذكر منها: الدعوة إلى «مصر الإفريقية»، حيث تكون جزءا لا يتجزأ، من القارة السمراء، عِرْقيّا وحضاريًا. مصر النيلية، وهنا يكون نهر النيل شريان الطابع المصرى، على صعيد كلٍّ من (المدنيّة) – ذات الطابع المادى– و(الثقافة) ذات الطابع المعنوى، ليتشكل منهما مفهوم «الحضارة». بهذا المعنى، تنتمى مصر إلى دائرة «حوض النيل» من المنبع عند «البحيرات الاستوائية» إلى «المصب» عند شاطئ المتوسط. مصر «الزنجية»، حسب المفكر (شيخ أنتا ديوب)، الذى ارتأى أن حضارة مصر نابعة من البُعدْ الإفريقى الزنجى العتيد، وأن «الزنوجة «أصل» ومصر «فرع». مصر «المتوسطية»، ارتباطًا بالبحر الأبيض المتوسط، خاصة من الزاوية الثقافية. هذا ما دعا إليه طه حسين، مثلا، فى كتابه الصادر فى مطلع الثلاثينيات من القرن الماضى: (مستقبل الثقافة فى مصر)، وقد ارتآها، متوسطية، وأوروبية قبل كل شيء. وذلك قبل أن يكتمل تكوينه فكريا ليصبح قريبا جدا من الفكرتين العربية والإسلامية.
مصر الآسيوية، حيث ارتأى فريق من المفكرين أن حضارة مصر – حتى مصر القديمة أو «الفرعونية» – نبعت من المصدر الآسيوى «السامى»، و أنه حتى اللغة المصرية القديمة المعروفة باسم حروفها «الهيروغليفية»، ذات أصول عربية قحّة. ذلك الحديث عن الطابع «السامى» – الآسيوى– لثقافة مصر، يواجِه، بالمقارنة، «الطابع «الحامى» -الإفريقى. ويقابلهما معًا، ما يمكن الحديث بشأنه عن الطابع «السامى – الحامى» المركب لثقافة مصر، أو ما يمكن أن نسمّيه الطابع (الآسيوى – الإفريقى) مزجًا بين الأرومة (السامية) الآسيويّة، والجذر الإفريقى (الحامى).
والحديث هنا موصول، بحلقة الوصل «الطبيعية» لمصر مع الشرق الآسيوى، عبر «صحراء شبه جزيرة سيناء»، وفيها ما فيها من تراث عريق متعدد المنابع.
-انتماءات معاصرة،إذ فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت وتطورت دعوات جديدة – قديمة نسبيًا- لانتماءات مركبة، أو «معقدة»، نذكر منها: -الانتماء الإفريقي– الآسيوى، حيث وُلدت «الكتلة الآسيوية-الإفريقية»، سياسيًا، عبر مؤتمر باندونج (إندونيسيا) عام 1955. فإذا مصر، على هذا النحو، بلد ينتمى إلى مجموعة البلدان(الإفريقية- الآسيوية) أؤ (الآفرو آسيوية) انطلاقًا مما نظّر له البعض فى خمسينيات وستينيات القرن العشرين. – الانتماء إلى دائرة «دول عدم الانحياز»، انطلاقًا من مؤتمر (بريونى – يوغوسلافيا السابقة) عام 1956، والذى نبعت منه الدعوة والحركة لمجموعة «عدم الانحياز» فى مؤتمر بلجراد، عام 1961 وقبله مؤتمر تحضيرى فى القاهرة 1961. – الانتماء «للعالم الثالث»، أو «مجموعة الدول النامية». وهذا بدوره انتماء قوىّ المنابت، متعدد الغصون، ارتبط بفكرة عدم الانحياز سياسيًا، ولكنه تصلّب عوده مما دعا إليه «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» – الأونكتاد – منذ مؤتمره الأول فى جنيف عام 1964. ارتبط كل هذا، بالدعوة إلى التنمية، والتنمية المستقلة، ومقاومة «التبعية»؛ وقد تألفت لذلك جماعة من المفكرين والكُتاب ورجال السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، تحت رايات متنوعة، لكنها متّحدة فى الغرض: الاستقلال الاقتصادى ونبذ التبعية للغرب. وظهر ذلك تحت لواءات متنوعة مثل (المركز والأطراف أو «التخوم») حيث يتم العمل معًا من جانب مجموع البلاد النامية التى ينبغى أن تتّحد، ولو بوصفها (هوامش) للنظام الاقتصادى العالمى الراهن، لتواجه المركز المهيمن منذ قرون، ممثلاً فى الائتلاف المكون حاليّا من الثلاثي: أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية واليابان.
-انتماءات أخرى مثل: (مجموعة الدول النامية الثمانى): مصر ونيجيريا وإيران وتركيا وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنجلاديش، التى تكونت انطلاقا من دعوة (نجم الدين أربكان) رئيس وزراء تركيا الأسبق عام 1996، وقد عقدت اجتماعا لها فى القاهرة، فى ديسمبر 2024.
-الدائرة الإسلامية ، وهذه دائرة متعددة المعانى والمشارب. وقد قْدّر لنا – مثلا – أن نكتب فى مجلة (السياسة الدولية) منذ سنين، مقالاً بعنوان (العالم الإسلامى مجالنا الحضارى الجديد)، تعبيرًا عن الحاجة إلى حاضنة حضارية ملائمة لنا، تاريخيا وجغرافيًا، واقتصاديًا وسياسيًا، وهى الدائرة الممثلة للدول ذات الغالبية من (المسلمين) ديموغرافيّا، وخاصة فى قارتيْ إفريقيا وآسيا.
هذه أبرز الدعوات لدوائر الانتماءات الحضارية لمصر، والتى ما لبثت أن أصبحت علامات على أصوات محددة، كان لها صدى كبير، انطلاقًا من «صوت» داع إلى التنمية والاستقلالية وأوّلية الانتماء العربى. وهنا نصل إلى الدائرة العربية، التى نعتبرها (أم الدوائر) كونها تقوم على وجود تاريخى للأمة العربية، والقومية العربية، على أساس التجانس البشرى النسبى ووحدة الأرض، والتاريخ الثقافى – الحضارى المشترك.
وكلنا أمل وعزم على تخطى الصعاب والعقبات حتى يتم التوصل إلى صيغة للاتحاد العربى تكون ملائمة للنسق الحضارى المشترك، وللتطلعات الكبيرة باتجاه المستقبل.
2025-09-03