داعش في ليبيا: حجمها ومخاطرها المحلية والإقليمية
د. أعلية علاني – جامعة منوبة- تونس
بين جانفي وأوت 2015 تضاعف عدد أتباع داعش في ليبيا، كما تكاثرت نسبيا أعداد المنتمين لأنصار الشريعة والقاعدة في هذا البلد. وبدأ بعض الليبيين في حزم حقائبهم للاستقرار مدة طويلة إما بأوروبا أو ببعض دول الجوار.
فكيف استوطنت داعش في ليبيا بمثل هذه السرعة؟ وما هي تداعياتها على السلم الإقليمية والدولية؟
داعش المولود المشوه لثورات الربيع العربي
في زمن قياسي أصبح الحديث عن داعش في ليبيا مثيرا لكل الأقلام والمحللين السياسيين.
هذا التنظيم لا يعرف الكثيرون عن بداياته فقد نشأ من رحم الدولة الهشة وغياب التوافق الوطني. وتتراوح الروايات حول أعدادهم بين 3000 و5000 مقاتل، والأرجح أن يكونوا في حدود 3 آلاف.
ويتصف تحركهم بالسرعة والقسوة، وبتبنى فكرة الجهاد العالمي. فالسرعة تمثلت في السيطرة على سرت وما يتبعها من مرافق حيوية من إدارات ومؤسسات، والقسوة اتسمت في الإعدامات التي تنفذ بشكل وحشي، والبعد العالمي في مسألة الجهاد ويتضح ذلك من خلال تعدد وتنوع القيادات الداعشية بليبيا والمنحدرة من دول عربية مختلفة، هذه القيادات تتبدل بسهولة كلما قتل أحدها.
وكلنا يتذكر كيف تم قتل 5 قيادات كبيرة من الدواعش في ليبيا سنة 2015 في مقدمتهم أبو البراء اليمني الذي قتل في طبرق.
والثاني عماد صهد من ليبيا والذي قُتل بدوره في نفس السنة، والثالث مفتاح الغويل المسؤول عن الاغتيالات وقد اغتيل كذلك في 2015، والرابع بشار الدّرسي من ليبيا الذي قتل أيضا في 2015 والخامس أبو عزام الجزراوي من السعودية وقد قتل مؤخرا في ليبيا. هذه الاغتيالات لم تفتّ في عضد داعش إذ سرعان ما يتم تعويض القيادات التي يتم اغتيالها.
ويقود التنظيم حاليا الحازمي (أصيل اليمن) برتبة والي يتبع أبو بكر البغدادي. كما يشرف أبو نبيل الأنباري (من العراق) على القطاع اللوجستي في التنظيم وتذكر عديد الروايات أنه دخل سرت واختفى لحد الآن.
ويتميز قادة داعش بالتحرك السريع والتشبيب، فممثل هذا التنظيم في درنة واسمه حازم (من اليمن) هو في الثلاثينات من عمره. وكدليل على تنوع الجنسيات التابعة لداعش في ليبيا نشير إلى أن منطقة القرضابية مثلا يتواجد بها العديد من الأجانب وفيهم تونسيون وسعوديون ويمنيون وعراقيون ومن جنسيات أخرى.
ويتحرك التنظيم وفق خطة مدروسة، إذ يتكون الهرم من هياكل عليا ووسطى فبالنسبة للهيكل الأعلى نجد على رأسه الوالي ممثل البغدادي، ثم يأتي بعد ذلك القادة الميدانيون وكلمتهم مسموعة جدا لدى الوالي.
ورغم اختلاف الأجندات بين القاعدة وداعش فإن هناك توجيهات جديدة تفيد بتحاشي التصفيات داخل التيار الجهادي وعدم تكرار ما حصل بين داعش وجهاديي درنة في الأسابيع الأخيرة.
مستقبل داعش في ليبيا وشمال إفريقيا
لا شك أن تمدد داعش بسرعة في منطقة استراتيجية مثل سرت بوسط ليبيا يؤكد أن لهذا التنظيم خطة معلومة بدأت باحتلال الأرض وربما تنتهي بتهديد دول الجوار.
المخيف في هذه الحالة أن الفكر الداعشي بدأ يجد مكانه في العديد من المدن الليبية. ونلاحظ أنه في غياب الدولة وسلطتها وخدماتها يصبح اللجوء إلى الطرف الأقوى على الساحة أمرا طبيعيا.
وتتوارد العديد من الروايات عن بعض المناطق التي تبنّت الفكر الداعشي بما في ذلك الإيمان بدولة الخلافة وتكفير واستحلال دماء التنظيمات المنافسة وكذلك المعادية لهم. ويؤكد العديد من الباحثين أن الأدبيات الإخوانية هي التي انبثقت عنها التيارات السلفية الجهادية التي تطورت بعد ذلك إلى نسخة القاعدة وداعش، وهذه الأدبيات تلتقي مع التيارات الجهادية في عدم إيمانها بالقطرية والتأكيد على البعد العالمي في رؤيتها لشكل الدولة الإسلامية، وهو ما يجعل التيارات الدينية المتشددة في ليبيا تقبل بسهولة أن تكون مرؤوسة من قيادات غير ليبية، لأن من يقبل بفكر داعش فإنه يقبل بالضرورة إزالة كل الحواجز القبلية والجهوية والقطرية والانخراط في فكر الجهاد العالمي الذي يميز دولة الخلافة.
هذا التمدد للفكر الداعشي في ليبيا سيهدد عاجلا أو آجلا دول الجوار إذا لم يتم أخذ الاحتياطات الضرورية وفي مقدمتها تكثيف الرقابة على الحدود وتنمية الجانب الاستخباراتي ومقاومة التهريب الذي أصبح يشكل العمود الفقري في تمويل داعش في ليبيا.
وبخصوص مصادر تمويل داعش فتأتي حسب بعض الروايات من مصدرين: المصدر الأول هي الغنائم المتأتية من حوادث النهب التي تُعرف باسم الاحتطاب لدى التنظيمات الجهادية، وفي هذا الإطار تتحدث عديد الروايات عن مسألة اختفاء 51 مليون دينار ليبي كانت متجهة من البنك المركزي الليبي نحو سرت لكنها لم تصل إلى بنوك سرت، وتذهب العديد من الروايات أنها ربما تكون قد نُهبت وهي في الطريق من طرف قادة داعش، أما المصدر الثاني في تمويل هذا التنظيم فيأتي من مردود بيع المخدرات والأقراص المخدرة مثل الكابتاغون وبيع السلاح، وهي تجارة تدر أموالا طائلة ينتفع منها التنظيم.
تداعيات إرهاب داعش في ليبيا على الساحة الوطنية والإقليمية
* التداعيات المحلية:
إن مستقبل داعش في ليبيا مخيف لأن الخطر ليس في العمليات الإرهابية الحالية بل في التيارات السياسية التي تتقاتل في ما بينها في ليبيا ولا توجّه قتالها نحو داعش والقاعدة بل نحو بعضها البعض. وإذا لم يغير الليبيون من سياستهم في التقاتل ويقبلوا فكرة الحكم التشاركي فإن داعش ستلتهم ما تبقّى من التراب الليبي.
* التداعيات الإقليمية:
على المستوى الإقليمي نلاحظ أن استمرار سيطرة داعش في ليبيا سيخلق مناطق شبه محررة على الحدود مع دول الجوار. وقد انسحبت في الأيام الأخيرة فرقة حدودية ليبية على حدود مصر مما أدخل ارتباكا على منظومة الرقابة الأمنية المصرية الحدودية والتي يرجح بعض الخبراء أن تؤدي إلى تسريب كميات من السلاح نحو مصر. أما الجزائر فقد ضاعفت عدد جنودها على الحدود مع ليبيا، كما شرعت تونس في بناء جدار ترابي بكلفة تزيد عن 100 مليون دينار تونسي. ولا ننسى أن قرارت الجامعة العربية الأخيرة لم تتجاوز الجانب الدعائي، لذلك يصبح من المتأكد معالجة المسألة الليبية في إطار ندوات إقليمية تكون مفتوحة وتسعى بكل الوسائل إلى جرّ كل الفصائل الليبية – ما عدا الجهادية – إلى طاولة التفاوض وإقحامها في العملية السياسية، وبدون ذلك سيتعاظم التهديد الإقليمي يوما بعد يوم، وستصبح منطقة شمال إفريقيا مفتوحة على كل الاحتمالات مما يجعلها تستنفد جهودها وثرواتها من أجل التسلح لا من أجل التنمية.
2015-08-28
