خلفية الهجمة الترامبية على الرسوم!
اضحوي جفال محمد*
ربما يتقصد ترامب إحاطة قراراته السياسية بهالة دعائية توحي بأنها اجتهادات خالصة لا صلة لها بالواقع. لذلك يفهمها البعض على انها نوع من النزوات. أما الحقيقة فإن قراراته الاخيرة، وبغض النظر عن طريقة اخراجها، اجتهاد لحل مشكلة كبرى تعاني منها الولايات المتحدة منذ زمن طويل، ويؤجل حلها باستمرار حتى استفحلت.
لتقريب الصورة نشبهها بشخص ورث ثروة طائلة فاعتمد عليها للعيش برفاه ولم يقحم نفسه مشقة العامل. هذا الشخص يعلم أنه سيبدد الثروة مع الوقت ويصبح في مشكلة كبرى، لكن ضخامة الثروة وعدم اعتياده على العمل يحملانه على الاستسلام للوضع الشاذ الذي يعيشه. وكلما اقتربت الثروة من نهايتها كلما ازداد إحساسه بالمشكلة وازداد تفكيره في البحث عن حل لها.
العجز التجاري الامريكي الذي هو الدافع للقرارات الاخيرة ليس وليد الساعة وانما هو عجز مزمن بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي ولم يعالج فاستفحل حتى بات الان تريليون و400 مليار دولار سنوياً. هذا العجز المتزايد يعالج دائماً بطباعة دولارات دون رصيد اقتصادي بالاعتماد على ان الدولار عملة عالمية، فالاقتصاد العالمي هو الرصيد الضامن للدولارات الجديدة.
هكذا استسلمت الادارات الامريكية المتعاقبة للوضع الشاذ فلم تحاول تصحيحه: العجز الخارجي يعالج بطباعة المزيد من العملة، والعجز الداخلي يعالج بالاقتراض المحلي،. تقوم كل ادارة بترحيل المشكلة الى الادارة التي تليها. ومثل الشخص الذي ضربناه مثلاً لا بد من وصول المشكلة الى حالة الانفجار. فالديون الداخلية لها فوائد تعالج ايضاً بقروض وهكذا حتى بلغت الديون 36 تريليون دولار لا تعجز السلطات عن تسديدها وحسب بل تعجز عن تسديد فوائدها. قد يقول قائل: لماذا لا تُحل هذه المشكلة بطباعة العملة ايضاً كما هو الحال مع العجز الخارجي؟ والجواب ان قوانين علم الاقتصاد لا تسمح! فتعالوا نتصور ان تطبع الحكومة الامريكية 36 تريليون دولار وتدفعها للبنوك المحلية الدائنة وبذلك تحل المشكلة جذرياً!! ان انزال مثل هذا المبلغ يعني انهيار السوق المحلية تحت ضغط التضخم الجنوني. لذا فإن الاستفادة من ميزة الطباعة غير المحسوبة للعملة لا توظف الا في الخارج كتعديل للميزان التجاري. وهنا يبدأ الوجه الآخر للمشكلة المتمثل بطباعة ارقام متزايدة من العملة.. فصعود اقتصادات دول كثيرة وتحديها للاقتصاد الامريكي جعل العجز يتزايد كل عام مما يدفع لزيادة المطبوع من العملة كل عام بصرف النظر عن قدرة السوق العالمي على استيعابها. ولأن الولايات المتحدة اساءت استخدام الدولار بجعله وسيلة تحارب بها بعض الدول بدأت دول كثيرة تتحسب لاحتمال ان يأتي دورها في قائمة العقوبات الامريكية كتجميد ارصدة او منع تعامل وبدأت المحاولات لإيجاد عملات بديلة. هنا بدأ الافتراق في الطريق، إذ وبينما تزيد الولايات المتحدة من طباعة العملة دون رصيد راحت الدول الاخرى تتعامل بحذر مع الدولار، الامر الذي ينذر بتعرض الدولار لعقاب قانون (العرض والطلب). وفكر الامريكيون المعنيون كما فكر الشخص الذي ضربناه مثلاً عندما اوشكت ثروته على النفاد. ذلك الشخص لديه حل ناجع، وهو أن يعمل ويأكل من عمله فيتوقف عن استنزاف مدخراته، أما في الحالة الامريكية فالقضية أعقد؛ ترامب يريد حل المشكلة بنفس الطريقة لكن الموضوع ليس بذات السهولة. فكرة ترامب ان الرسوم ترفع اسعار السلع الاجنبية المستوردة لتصبح بدائلها المحلية أقدر على المنافسة، وبذلك يستعاض عن المستورد بالمحلي، فيزول او يتقلص العجز التجاري. أما عملياً فإنه سيواجه برسوم مقابلة توقعه في مشكلة أكبر، خصوصاً وانه اختار مواجهة الجميع في وقت واحد وتلك عنجهية غير مبررة، فأن تكون دولة واحدة في مواجهة كل العالم يعني أنها لن تربح المعركة مهما أوتيت من قدرات. لقد أطلت المنشور قبل استيفاء حقه من البحث، فأترك ذيوله لمناسبة اخرى.
( اضحوي _ 2099 )
2025-04-07