خراسان.. في حرب الأميركيين!
موفق محادين
التمعّن في الاختيار الأميركي – الإنكليزي، جغرافياً ومذهبياً وعرقياً، لخراسان الكبرى، يؤشّر إلى سر هذا الاختيار ووظيفته.
ابتداءً، ما هي خراسان الكبرى التي يريد الأميركيون والإنكليز والصهيونية العالمية إعادة صناعتها، وتحويلها إلى رقعة شطرنج جديدة في لعبة الأمم التي يُديرونها في آسيا الوسطى؟ وضد من، ولماذا؟ وهل ستقتصر بيادق هذا التحالف الأسود على “خراسان داعش”، أم أن هناك دمىً ولاعبين آخرين، مثل “طالبان” وغيرها؟
منذ ترسيم الخرائط الحالية في آسيا الوسطى، كما غيرها، لم تعد خراسان التاريخية قائمة، لكن لعبة الخرائط الدولية لا تستقر على حال في أقلام الاستخبارات وراء البحار. ومن ذلك العودة إلى اللعب بين وراء النهر وخراسان الكبرى المفترضة عند هذه الأقلام، وفق أجندتها الراهنة.
في الأصل، فإن خراسان تعني بالفارسية “أرض شروق الشمس”. وكانت، فيما مضى، تشمل أجزاء من إيران وأفغانستان وأذربيجان ومن بلاد ما وراء النهر وكذلك ما بين النهرين، والمقصود نهرا سيحون وجيحون (سيرداريا وأمورداريا، بالروسية)، بحيث كانت مناطق منها ضمن الجمهوريات السوفياتية السابقة المعروفة.
من أشهر المدن التي تشملها خراسان الكبرى، بحسب بعض المرويات التاريخية التي يُراد توظيفها اليوم: نيسابور وطوس (مشهد)، وبلخ ومرو وبخارى وخوارزم (أوزباكستان)، وهرات (أفغانستان). ومن أشهر علمائها: الفارابي وابن سينا والخوارزمي والبيروني وغيرهم.
عَرفت قبل الإسلام انتشارَ الزرادشتية والمانوية والمسيحية النسطورية والمزدكية، كما كانت أرضاً لقوميات وأعراق متعدّدة، أشهرها الفارسية والتركية.
على الرغم من معركة نهاوند وغيرها، فإن سكان خراسان الصغرى وخراسان الكبرى لم يلتحقوا بالدين الجديد بسهولة وبسرعة، على الرغم من أن بعضهم تعاون مع الجيوش الإسلامية من دون أن يعلن إسلامه، على غرار قبائل تغلب وكندة المسيحية، والتي قاتلت مع الجيش الإسلامي قبل أن تشهر إسلامها.
وبخلاف ما هو سائد، يذكر باحث أردني، هو الدكتور أمجد فاعوري في كتابه “دور غير العرب في الإدارة والجيش الأموي”، أن الدولة الأموية وجدت أعواناً لها في خراسان وغيرها، ساهموا في قمع عدد من الثورات التي اندلعت ضد الملك العضوض لبني أمية في الكوفة والحجاز، كما أدّوا دوراً كبيراً، إلى جانب القبائل اليمانية، في تقدُّم الجيوش الإسلامية نحو بلاد ما وراء النهر، الأمر الذي جعل خراسان أهم وأكبر بوابة لنشر الإسلام في التاريخ، بل إن بعض المؤرخين يربط التاريخ الإسلامي بتاريخ خراسان.
في المقابل، كانت خراسان من المناطق المفضَّلة لدى خصوم الأمويين، بسبب تعصُّب الحكّام الأمويين فيها، وآخرهم نصر بن سيار، للمضرية (أهل مضر)، بينما كانت الأكثرية العربية، التي تدفقت إليها، تعود إلى القبائل اليمانية التي تحوّلت إلى الدعوة العباسية بزعامة أبي مسلم الخراساني.
بيد أن انتصار العباسيين وصعودَ خراسان الذي رافق ذلك الانتصار، لم يمنعا تحوّلها من جديد إلى قاعدة لثورات الأطراف التي نشبت ضد العباسيين، بسبب الجباية المفرطة والسياسات التمييزية، فضلاً عن تشظّي الإمبراطورية وتَأَكُّلها أمام القوى الآسيوية القادمة من الشرق، وخصوصاً المغول.
فمن خراسان وأطرافها اندلعت أكثر من ثورة وتمرّد ضد الخلافة في بغداد، منها ثورة بابك الخرمي في أذربيجان، التي اختلطت فيها الاشتراكية البدائية برواسب المزدكية والنزعات القبلية والقومية، كما عرفت خراسان ثورات وتمردات أخرى، مثل الثورة الصفارية (نسبة إلى يعقوب الصفار).
بلاد ما وراء النهر وخراسان في حسابات ما وراء البحر
الحديث في الغرب الرأسمالي عن خراسان الكبرى، ليس من أجل بناء كتلة اقتصادية، ولا من أجل حلف عسكري تابع للناتو، بل من أجل توسيع البيكار حول أوسع جغرافيا ممكنة في قلب آسيا الوسطى، مقدِّمة لإشعال النيران فيها، ومدّها إلى أطراف الثياب الثلاثة: الصين وروسيا وإيران.
إن التمعّن في الاختيار الأميركي – الإنكليزي، جغرافياً ومذهبياً وعرقياً، لخراسان الكبرى، يؤشّر على سرّ هذا الاختيار ووظيفته وأدواته:
جغرافياً، فإن خراسان الكبرى هي قلب آسيا الوسطى، التي يراد فيها استنزاف التنّين الصيني والدبّ الروسي والأسد الإيراني المجنّح: الأول منذ أن بدأ يشق طريق الحرير إلى أقاصي الأرض ويُعيد الاعتبار إلى إمبراطورية الفضة التي سبق أن أغرقها الإمبرياليون الإنكليز بالأفيون في القرن التاسع عشر. والثاني، منذ أن تجاوز انهيار عام 1990، وراح يستبدل بالإمبراطورية الحمراء إمبراطوريةً أوراسية قومية أرثوذكسية، تمسك بجغرافيا العالم وبحاره الحيوية. والثالث، منذ أن راح يفرد جناحيه الكِسراويَّين بين بحر النفط وبحر قزوين، كما بين الإمامية والزعفران.
أمّا الأدوات التي يجري تحضيرها لهذه الغاية، فهي أدوات من شقّين ونمطين: الأول تنظيم ما يعرف بـ”ولاية خراسان الداعشي”، كما كان في الشرق العربي باسم “ولاية الشام والعراق”، بحيث جرى إعداده من جانب المخابرات الأميركية والإنكليزية والرجعية والعثمانية الجديدة.
وليس بلا معنى ما أوردته مصادر إخبارية متعدّدة بشأن نقل مقاتليه في طائرات شحن أميركية إلى مناطق في أفغانستان، قبل تسليمها إلى حركة “طالبان”.
الثاني هو إشغال الدول المستهدَفة بحدود متوترة مباشَرة، أو في مجالاتها الحيوية، مثل افتعال أزمة أوكرانية مع روسيا، وتايوانية مع الصين، وأذرية مدعومة من إسطنبول مع إيران، بالإضافة إلى الملفات الأخرى المعروفة، مثل أزمة المعارض الروسي العميل، أو أزمة الدالاي لاما في الصين وكذلك الإيغور، وأزمات مماثلة في إيران.
2021-12-09