حول السباق على الحدود العراقية السورية – تقييم وضع ميداني
محمود عبدالحكيم
تنطلق الإنزالات العسكرية الجوية المباشرة للقوات الأمريكية في محيط مدينة “البو كمال” على الحدود السورية العراقية، وهي أحد مرتكزات داعش، من قاعدة “التنف” حديثة النشأة والمحاذية للحدود السورية مع الأردن والعراق (انظر Bالخريطة أسفله).
تضم القاعدة مركزا لوجيستيا وأسلحة ومعدات، ويجري الاعتماد عليها أيضا في تدريب عدة فصائل إرهابية، في مقدمتها “جيش أسود الشرقية” الذي يعمل في دير الزور منذ سنوات وصاحب العلاقة الوثيقة والمعلنة بالمخابرات المركزية الأمريكية، وكان جزءا مما يُسمى بجبهة الأصالة والتنمية (تحالف إرهابي واسع يضم العديد من الفصائل)، بالإضافة إلى “جيش سوريا الجديد” المكوّن في مجمله من منشقين عن الجيش العربي السوري، والعامل في محيط دير الزور وريف دمشق وريف حمص الشرقي، ويتلقى التسليح من المخابرات الأمريكية مع تنسيق عسكري دائم مع الجانب الأردني، بما يشمله من ارتباط بغرفة عمليات الموك في الأردن التي تتولى مهمة التخطيط والإدارة لعمليات الفصائل الإرهابية في الجنوب السوري، وحوّلته الولايات المتحدة منذ أواخر العام الماضي إلى كيان جديد “جيش مغاوير الثورة”، في إطار اتجاه نحو هدف استراتيجي أمريكي مُعلن مؤخرا وهو تشكيل قوى تواجه كل من داعش والدولة السورية وتسيطر على منطقة البادية السورية (انظر الدوائر الزرقاء الخريطة أعلاه).
وقد انطلق النشاط العسكري الأمريكي بصفة عامة في هذا المربع الجغرافي من قاعدة الموفق (الشهيد موفق السلطي) الجوية الأردنية (انظر Aالخريطة أعلاه)، التي تستخدمها القوة العسكرية الأمريكية بشكل معلن في إطار ما تسميه الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” في نسختها الأحدث أي “الحرب على داعش” وعمليات التحالف الدولي ضد الأخيرة .
دير الزور السورية.. “ملاذ أخير محاصَر” لداعش
في الأسابيع الماضية ازداد موقف داعش صعوبةً باستمرار انحسار سيطرتها على محافظة الرقة بسبب الضربات الكردية من طرف “قوات سوريا الديموقراطية” الكردية المدعومة أمريكيا (انظر Cالخريطة أعلاه)، إلى أن شرعت في الأيام الأخيرة في نقل “عاصمتها” من محافظة الرقة إلى محافظة دير الزور، حيث أكثر مرتكزاتها استقرارا حتى الآن برغم الضغط العسكري الأمريكي عليها في “البو كمال” الواقعة في محيطها، بانتقال ثقل داعش وتمركزها إلى دير الزور يبرز السؤال الميداني العراقي، فهذا الانتقال جاء ليس فقط مع الانحسار عن الرقة، بل عن الموصل أيضا، التي يشرع الجيش العراقي وقوات مكافحة الإرهاب في إنهاء وجود داعش فيها لحظة كتابة هذه السطور .
تل عفر العراقية
عراقيا، لم تكتفِ قوات الحشد الشعبي العراقية بتجاهل الطلب الأمريكي السابق بالعزوف عن المشاركة في حصار الموصل تمهيدا لتحريرها بالاشتراك مع القوات الحكومية العراقية، ولم تكتفِ برفضها – الذي التقى مع رفض رسمي عراقي – للتكتيك الذي اقترحه الأمريكيون لطرد داعش من الموصل، بل اتجهت إلى وأنجزت عملية محاصرة تل عفر، والأهم قطع الطريق منها إلى الحدود السورية (انظر Eالخريطة أعلاه وبالأسفل)، بما يعني إغلاق أي مهرب لها نحو خارج العراق من الشمال العراقي، وترافق ذلك مع ضغط من “وحدات حماية سنجار” التابعة لحزب العمال الكردستاني على داعش في سنجار غرب تل عفر.
على أي حال، تدرك القيادة السياسية العراقية الآن أكثر من أي وقت مضى أن خيارها بالإسراع نحو تحرير الموصل، ومنع إعطاء فرصة ووقت لداعش لإعداد نفسها لإعادة انتشار سريع يحبط الهجوم العراقي، كان الخيار المثالي والأكثر منطقيا من الناحية العسكرية، ولاسيما مع بقاء دير الزور السورية في قبضة داعش دون اهتزاز جاد أو كبير في وضعها فيها، وأيضا مع استمرار سيطرة داعش على مدينة القائم على الحدود العراقية السورية.
القائم العراقية
رغم نجاح القوات العراقية في طرد داعش من أغلب مناطق صحراء الأنبار شرق العراق، فإن داعش لم تزل ترتكز في مدينة القائم الحدودية مع سوريا، مع العديد من الجيوب الداعشية النشطة في المحيط المتسع لصحراء ومحافظة الأنبار ومحافظة صلاح الدين، ومن ثم في نطاق مدينتي تكريت وبيجي وفي محافظة ديالي شمال شرق بغداد (انظر Gالخريطة أعلاه)، يكثف الطيران العراقي من ضرباته للقائم ومحيطها ونتج عن ذلك تدمير لمخازن ضخمة للأسلحة والعتاد، فضلا عن استهداف مرتكز آخر أصغر لداعش في الرطبة جنوب شرق القائم بالقرب من الحدود الأردنية.
من الطبيعي أن تمثل القائم مهربا لداعش حال تدهور موقفها في دير الزور، إلا أن التواجد العراقي الكفؤ إلى حد كبير في الرمادي والفلوجة غالبا ما سيكفل قطع أوصال داعش، وفصل جيوبها الصغيرة حول تكريت وبيجي عن جيوبها في صحراء الأنبار في محيط القائم شرقا، ومحيط تل عفر شمالا، سيكون من الصعب عمليا وتنظيميا أن تتوجه داعش نحو وسط العراق بعد سلسلة الهزائم التي واجهتها وكثافة الضربات من جهات مختلفة نحوها، مما قد يدفعها للجوء جنوبا نحو الحدود العراقية الأردنية، وهو ما قرأته الولايات المتحدة مبكرا بشروعها في العمل على مشروعها للبادية السورية، ومن أعمدته الاعتماد على دور أردني بارز بالإضافة إلى حماية الأردن من داعش بصفة عامة.
البديل


