حوارات النصر والهزيمة!
جمال الطاهات
الجهد الإعلامي العربي لطرح حوار النصر والهزيمة مع انتهاء حرب غزة، شبيه بحوار سابق ظهر بُعيد حرب لبنان عام 2006، وبُعيد حرب لبنان عام 1982، كما بعد العديد من المعارك العربية الإسرائيلية. ويأتي في سياق تنافس الشرعيات السياسية في العالم العربي. فهناك من يسعى لفرض هذا الحوار لمنع أي طرف مقاتل من ادعاء الشرعية بعد أي معركة مع إسرائيل. وهو وإن اكتسى لبوس الحوار بين خياري محاربة إسرائيل أو عقد سلام معها، ولكنه في الحقيقة حوار يستدعيه الإحساس العام بعلاقة الصراع العربي الإسرائيلي مع أسس الشرعية في كل العالم العربي، كما في إسرائيل أيضاً. فبعد حرب 1948، تقوضت شرعيات عربية. وبعد حرب 1973، تصدعت شرعية جيل المؤسسين وورثتهم، وصعد تيار اليمين في إسرائيل، وانزاحت أسس الشرعية السياسية فيها.
غموض النصر والهزيمة
الغموض الموضوعي لمفهومي النصر الهزيمة، استدعى جهداً خاصاً في تاريخ الفكر الاستراتيجي منذ صن تزو حتى كيسنجر مروراً بكلاوزفيتز. الثابت أن مرد الغموض إلى عاملين: الأول هو غياب إطار مرجعي معياري وشامل يمكّن من صياغة تعريف إجرائي للنصر والهزيمة وتطبيقه بشكل تلقائي على الطيف الواسع من أشكال المعارك والحروب والصراعات. كما أن جزءً من الغموض مرده إلى الخلط بين مفاهيم “المعركة والحرب والصراع”. فلكل منهما مستوياته وأنواعه وسياقه وأفقه وأيضاً حدوده، وبالتالي إطاره الخاص لاشتقاق تعريف عياني للنصر والهزيمة.
والعامل الثاني لغموض مفهومي النصر والهزيمة، هو التراكب والتداخل البنيوي بينهما. فلا يمكن تعريف أي منهما إلا بتعريف الآخر، ومع التداخل بينهما، تظهر صعوبات منطقية في تحديد أي منهما دون الآخر. وهذا الغموض هو ربما ما يسعى لاستثماره، من يثيرون أسئلة النصر والهزيمة كوسيلة لتقويض شرعية من خاض الحرب ويتبناها كخيار.
ملحمة جلجامش التي كتبت قبل أربعة آلاف عام، قدمت تعريفاً للنصر (نصر جلجامش) من خلال تعريف هزيمة المارد (خمبابا). فهزيمة المارد تحققت حين فقد الخيارات: “لم يستطع التقدم، ولم يستطع التراجع، ولا التحرك يميناً ولا يساراً، فلم يعد لديه إلا الاستسلام”. فيكفي أن نعرف أحدهما لنشتق تعريفاً للآخر. فالهزيمة المتمثلة (بانهيار الإرادة نتيجة فقدان الخيارات)، هي التي تعرف نصر العدو.
الموقف الوجودي من النصر والهزيمة
النصر والهزيمة يستويان في منح معنى وقيمة للحياة. فإحدى أهم الصرخات التي ترددت في القرن العشرين هي عبارة ارنست همنجواي في رواية الشيخ والبحر: “قد يُدمَر المرء، ولكنه ليس مهزوماً ما دام يقاتل”. فالهزيمة بهذا المعنى (لم تُعرّف بالخسارة والدمار) وإنما بالتخلي عن إرادة القتال، إذ عُرّف الصراع بأنه صدام إرادتين. وشهد القرن العشرين ازدحام التساؤلات عن النصر والهزيمة بعد الدمار المروع الذي حصل في الحرب العالمية الثانية. فلم يسلم من الدمار أحد. واختلطت صور النصر والابتهاج به، بصور الدمار المروع والموت المفزع. كما في قصيدة المنتصرون لهنري تريس، فكتب عن فقدان المنتصر قدرته على تذوق انتصاره والتمتع به، حين واجه مشاهد القتل والموت والدمار كثمن للنصر. وتنتهي القصيدة بإعلان أن أحد لم يُخبر المنتصرون عما يتطلبه النصر، مبرراً مقتضيات “هذا النصر” وثمنه بالخوف من الدمار والهزيمة.
ولكن حتى السياسيين لم يسلموا من غواية الموقف الوجودي من مفهومي النصر والهزيمة. من حيث إن تجرع مرارة الهزيمة، كما التمتع بحلاوة النصر، كلاهما (وأي منهما) عنواناً للحياة ودليل عليها. حيث يقول الرئيس الأمريكي السابق ثيودور روزفلت في مطلع القرن العشرين، بان بلاده يجب ألا تكن مع “الأرواح الباردة والخانعة التي لم تعرف النصر أو الهزيمة”. فعلى مر التاريخ، أقبل الإنسان على الانخراط بالصراعات رغم احتماليات الهزيمة، وذلك للحفاظ على معنى وجدوى الحياة ودفئ الروح وشموخها. مما يعيد ربط المعنى الوجودي للنصر كما الهزيمة باستقلال الإرادة وقرار الانخراط في الصراع بغض النظر عن نتائجه.
النتائج السياسية للنصر والهزيمة
فيما مضى كان النصر يعني قتل المهزوم او استعباده هو وأسرته، ولكن مع تطور مفاهيم وأدوات الصراع وقواعد وحدود استخدام القوة، ظهرت معاني جديدة (أقل وضوحاً) للنصر والهزيمة، ربما أبرزها وأهمها على الإطلاق، هو تقييد مفهومي النصر والهزيمة بحسابات دقيقة، تمزج بين ركنين: الوقائع العسكرية والاقتصادية من جهة، والرأي العام والحالة المعنوية من جهة أخرى.
فكلاً من النصر والهزيمة لا يمكن تقييده بحسابات كمية، بل هناك بعداً معنوياً متعلق بالرأي العالم من جهة، وبمدى تأثير نتائج المعركة على أهداف الحرب، ومدى تعلقها بالصراع في أفقه الواسع. لهذا تحدث صن تزو، عن توفر القدرة على إدارة الهزيمة، كشرط لتجنب الفناء، وتحقيق نصر منتظر. فإدارة النصر شرط لتجنب الهزيمة، والقدرة على إدارة الهزيمة شرط لتجنب الفناء.
وانطلق ماو تسي تنغ من تراكب مفهومي النصر والهزيمة استراتيجياً، لاشتقاق مناوراته التكتيكية. فأكد على أهمية تجنب معارك التي لا تقدم مكسباً يستحق الحفاظ عليه، ودعا إلى تجنبها لتوفير كلفتها، وخسارتها عند الضرورة. مشدداً على أهمية منح العدو مكتسبات صغيره (تخنق قواه)، ومنجزات (بصورة انتصارات) يتطلب الحفاظ عليها خسارة طاقته وتبددها، وفقدانه القدرة على صيانة وحدة هدف الحرب، وتركيز كل الجهد لتحقيقه.
هنري كيسنجر قدم توضيحاً، وإن لم يستطع الإفلات من مساحات الغموض. فاعتبر النصر هو الهدف، ولكنه لم يعرفه، وإنما ربطه بعمر الصراع وبدعم الرأي العام لنتائجه. واعتمد على فكرتي الكسب والخسارة لتجاوز الغموض في تحديد مضمون النصر بين الجيوش النظامية والحركات الثورية، فيقول: “أن الجيش النظامي يخسر الحرب إذا لم يكسبها، والحركات الثورية تكسب الحرب إذا لم تخسرها”. وهو بذلك يكشف حجم الصعوبة في تقديم تعريف معياري للنصر والهزيمة، مستبدلاً إياه بالرأي العام، والناتج المعنوي للحرب كمعيار مركزي للتمييز بين المنتصر والمهزوم. وهذا يمنح معنى جديداً لما قاله المتنبي: “ما [الهزيمة] إلا ما تخوفه الفتى،،، ولا [النصر] إلا ما رآه الفتى [نصرا]”.
وهذا البعد ضروري لكشف التلازم موضوعي بين الشرعية السياسية وبين الإحساس الشعبي العام بالنصر أو الهزيمة. فالنظام السياسي في أي بلد مهزوم يخسر شرعيته بفاعلية الرأي العام. لقد أنشأ العثمانيون خلافتهم بعد عجز العباسيين عن صد الهجمات البرتغالية في القرن السادس عشر. كما قوضت نتائج الحرب العالمية الأولى النظم السياسية في الدول المهزومة، ألمانيا وروسيا والنمسا والإمبراطورية العثمانية. كما أن نتائج الحرب الباردة قوضت دعائم وشرعية النظام الشيوعي.
كلمة أخيرة
التراكب المنطقي بين معنى النصر والهزيمة، من حيث مكتسبات وخسائر طرفي المعركة، يجعل هدف الحوار حولهما -عند طرفي الصراع- حرمان أي قيادة سياسة من تعزيز شرعيتها على أساس ادعاء النصر. فبعد الحرب العالمية الثانية قام حزب العمال بتذكير الشعب البريطاني بدور تشرتشل في خسارة معركة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى. فديمومة الصراعات وتعدد خطوطها، دليل على أن حصادها الحاسم (ليس انتصاراتها وهزائمها)، وإنما ما تنتجه من تحولات في موازين وخرائط علاقات القوى إقليمياً وعالمياً. وعليه فمن غير المناسب اسقاط حوار النصر والهزيمة (المكاسب والخسائر) على خيار البطولة والتضحية في غزة، والبحث بدلاً من ذلك عن التحولات في خرائط علاقات القوى إقليمياً وعالمياً، لاشتقاق خيارات جديدة.
2025-01-22
