حنا بطاطو : العراق . الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية !.
عرض : علي رهيف الربيعي ( القسم 7 ) ثورة ١٤ تموز. كان الرأي السائد هو أن ضباط الجيش قد اشتروا بالرواتب الدسمة وهبات الأراضي والامتيازات الأخرى ، أما في الواقع ، فإن المشاعر القوية التي كانت تجيش في أعماق الناس كانت تجيش أيضا في أعماق الجيش ، الذي اعتمد منذ عام ١٩٣٥ على التجنيد الإلزامي ، وكان معظم ضباطه من العرب السنة في الأساس ينتمون إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة . غير أن المزاج الثوري داخل الجيش لم يظهر فجأة بل نتيجة لتراكم بطيئ وتدريجي : انهيار حركة ١٩٤١ العسكرية وإعدام زعمائها ، وتفكيك جزء من الجيش في العام ١٩٤٣ ، وإعادة المستشارين البريطانيين إلى مناصبهم ، والأداء الواهن للحملة العراقية في حرب فلسطين ، وارتفاع الأسعار وفقدان السلع الأساسية . وقد تكثفت روح المعارضة داخل الجيش بعد تبني نوري السعيد حلف بغداد ، وشن العدوان الثلاثي على مصر ، ثم جاء ” الاتحاد ” مع الأردن في العام ١٩٥٨ ليزيد حدة الاستياء ، ويدفع عددا من الضباط إلى اللجوء إلى العمل السري تمهيدا للقيام بإنقلاب . وكان معظم أعضاء ” اللجنة العليا ” للضباط الأحرار عقداء أو مقدمين أو من رتب أدنى ، ينتمون إلى الطبقة الوسطى الدنيا ، وكانوا عربا مسلمين سنة في أواخر الثلاثينات أو مطلع الأربعينات من العمر ، وباستثناء عبد الكريم قاسم ، كان كل أعضاء اللجنة قد درسوا في الكلية العسكرية بعد العام ١٩٤٣ ، أي بعد توقف الإشراف البريطاني المباشر عليها وبعد أن صار إتمام التعليم الثانوي شرطا لدخولها . كانت بضع صليات المدفعية كافية لإسقاط الملكية ، وأصبح من المؤكد الآن أن الشيوعيين عرفوا مسبقا بنيات قاسم ، كما وصل خبر الإعداد للثورة إلى زعماء بقية أعضاء الجبهة الوطنية ، واتخذت الاجراءات الازمة لدعم مبادرة الضباط الأحرار ، ووضع مركز الحزب الشيوعي كا منظماته في حالة استنفار ليلية ١٣-١٤ تموز ، وفي الصباح كان كل الأتباع الناشطين للحزب في الشوارع ، وخرج كذاك إلى الشوارع القوميون من كل الألوان . وقد كان لخروج مئة ألف شخص في بغداد وحدها وزن كبير في تحديد النتيجة التاريخية لذلك اليوم المصيري ، وكان للجماهير ، بفضل عنفها ، تأثير نفسي هائل ، إذ أنها زرعت الرعب في قلوب مؤيدي الملكية . وعليه ، فإذا كان الانقلاب قد نجح بهذه السرعة ، فذلك يعود كما يرى بطاطو إلى أنه كان يعبر عن توجه عام في المجتمع . من الصحيح أن ما حصل يوم ١٤ تموز كان عملا من تخطيط جماعة صغيرة بمعزل وسرية عن الشعب ، هكذا كان الأمر فعلا ، ولكن بشكل جزئي . فإن ما نظر المرء نظرة أوسع أفقا إلى الأشياء ، ووضع أحداث ١٤ تموز في إطارها التاريخي ، تبدو هذه الأحداث وكأنها ذروة نضال جيل كامل من الطبقات الوسطى والوسطى الدنيا والعاملة ، وأوج ميل ثوري كامل ومتشرب في الأعماق كانت له تعبيراته التي تمثلت في انقلاب ١٩٣٦ وحركة ١٩٤١ العسكرية والوثبة في عام ١٩٤٨ والانتفاضة في عام ١٩٥٢ ثم انتفاضة ١٩٥٦ . ولم يكن الضباط الأحرار أكثر من مقتنصين في هذا الميل ( الكتاب الثالث ، ص ١١٣-١١٦ ) . يتبع 2019/09/26