حل الكلمات المتقاطعة فوق خارطة أوكرانيا!
اضحوي جفال محمد*
المعتاد في المشاكل الدولية أن يصار إلى كتابة النصوص ثم اسقاطها على الجغرافية. فالصياغة اللفظية هي الجانب الأسهل في العملية، وتبدأ الصعوبات عند التطبيق لأن كل طرف يحاول فرض تفسيره الخاص للنص. لا سيما وأن عدم الوضوح في الاتفاقية مقصود وليس عفوياً، فهو الأسلوب الأكثر رواجاً لاستحصال موافقة الطرفين على النقاط المتعارضة.. انها تهرب من العقبات المبكرة بترحيلها من النظري إلى العملي في الموضوع، وهكذا كثيراً ما تتجدد المشكلة ويعود الصراع. إلا أننا فيما يخص المشكلة الاوكرانية نقف إزاء حالة معكوسة ونادرة وهي أن الجانب العملي من الحل متفق عليه والمشكلة كل المشكلة محصورة في الصياغة اللفظية لاتفاق انهاء الحرب! فالأطراف جميعاً، بما فيها الطرف الاوكراني نفسه، متفقة على أن الحل الممكن حالياً هو انهاء الحرب عند خطوط التماس القائمة.. أي ان يحتفظ الروس بالأراضي الاوكرانية التي يحتلونها. لا أحد يقول ان على روسيا الانسحاب، ولا احد يعتقد ان أوكرانيا في وارد استرجاع ارضها الان او في المستقبل المنظور، بل ان منتهى طموح أوكرانيا وحلفائها تجميد الصراع عند هذا الحد لمنع روسيا من احتلال المزيد. هذا لا خلاف عليه، وانما الخلاف يتركز حول الكلمات المناسبة لتوصيفه! روسيا تريد القول في الاتفاقية بأن هذه الأراضي باتت جزءاً من ارضها، واوكرانيا تريد النص على انها ارض محتلة، وبين هذا وذاك يجتهد الفصحاء بحثاً عن تعبير يتسع لهذين النقيضين.. تعبير يشبه مفعوله عملية انتقال تكساس قبل قرنين من السيادة المكسيكية إلى السيادة الامريكية. فترامب يتحدث عن (تبادل أراضٍ) وكأن المقصود مقايضة أراض من الدولتين ببعضها! والحقيقة انه يتحدث عن تخلي روسيا عن مناطق أوكرانيّة في سومي وخاركيف لتأخذ عوضاً عنها في دونباس!. والرئيس الفرنسي تفتق عقله عن نص يقول بأن الأراضي خرجت من السيادة الأوكرانية إلى السيادة الروسية خلال العمليات العسكرية، وأضاف بشيء من العجب أن مثل هذا القول لا يتعارض مع القانون الدولي.. وستتحفنا الايام القادمة بمزيد من الإبداعات في هذا المضمار، فمن الصعب جداً على الروس الانسحاب من ارض احتلوها وهم في أوج قوتهم، ومن الصعب جداً على زيلينسكي الاعتراف لروسيا بما اغتصبت، وحيث أن الجميع يريدون لهذه الحرب ان تنتهي، وحيث ان الجميع لا يجدون بديلاً عن تجميد الصراع عند الوضع القائم فإن المعركة الحقيقية الان معركة كلمات اكثر مما هي معركة رصاص، إذ قد تعثر العقول المحمومة على كلمة سحرية تلبي حاجات الفريقين وتحفظ ماء الوجه لمن يعاني شحة ماء، وأعتقد أننا سنراها قريباً ولا بأس أن تعتبر إضافة للقاموس القانوني الخاص بالاحتلال الدائم.
( اضحوي _ 2213 )
2025-08-20