حل الدولتين في الخرافة السياسية لنهج التسوية الفلسطيني!
عماد قطينة
هناك خيال يقابله واقع , وغالبا ما يبدو الخيال أجمل بما لا يقاس لأن تفاصيله ترسمها مخيلة البشر الهاربون من الواقع .
التشاؤم والتفاؤل معطيات وإفراز لواقع , ليس بالضرورة أن تتم قرائته بذات الرؤية والجدية , أو من ذات الزاوية , وليس بالضرورة أن تكون انعكاساته واحدة .
ساستنا الفلسطينيين وقادة مسيرنا إجتهدوا متفردين في تقرير مصيرنا إستنادا لإسقاطات ذاتية لتفكيرهم ومشاعرهم وعواطفهم وخلفيتهم على الموقف السياسي والنضالي الفلسطيني , بمنهاج التجربة والخطأ , متناسين أن النضال والسياسة والكفاح والتحرر علم وأصول .
كل الدراسات عن الحركة الصهيونية بمنشأها وأهدافها وارتباطاتها ومشروعها , ومختلف المراجع العربية وغير العربية , لمفكرين و مؤرخين من مختلف الدول ومختلف الأديان , أشارت وأكدت طابع هذه الحركة ورؤيتها للصراع القومي مع الفلسطينيين والعرب عموما .
و ألف باء البداية كانت ولا زالت وستبقى , وبإصرار القيادة السياسية الصهيونية , ممثلة بجميع الرؤساء والحكومات للكيان المنبثق عنها والممثل لها , أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض رغم الوجود البشري الكثيف والحضاري والإقتصادي المزدهر والثقافي والعلمي والمواصلات المتطورة والبنى التحتية للشعب الفلسطيني . وملخص هذه الفكرة هو نفي وجود الشعب الفلسطيني بمعنى نفي الحقيقة . وهذا النفي يعني الإنكار لأي حق فلسطيني في ارضه , وايضا يعني استمرار صراع الوجود وليس الحدود .
مثل هذا الإدعاء يمكن تجاوزه واعتباره مهاترة لو اقتُصرَ على الشعارات والأمنيات , ويمكن قبول احتملات التفسير ايضا , لكن ما لا يحتمل تعدد الإجتهادات هو الواقع , هو السلوك اليومي التاريخي للكيان بوصفه التجسيد المادي للحركة الصهيونية التي هي نتاج الفكر الإستعماري .
وفي التطرق للسلوك التاريخي للكيان الذي هو أعند من كل التحليلات والتخمينات والتصورات , لا يمكن فصل الإعداد والتهيئة في فترة الإنتداب البريطاني على فلسطين بقرار عصبة الأمم قبل قيام هيئة الأمم . وكلاهما غطاء دولي لمشرع خدمة المصالح الإستعمارية .
هذه الفترة التي فيها تم ترتيب وتسهيل الهجرة الصهيونية لفلسطين , وماتخلل ذلك من قمع الحركة الوطنية الفلسطينية المعادية للهجرة أولا وللوصاية البريطانية ثانيا , بالعنف المسلح طوال فترة العشرينات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي , إضافة لتسهيلات تسريب الأراضي لصالح الصندوق القومي اليهودي ( الكيرن كييمت ), وإقامة العديد من المستوطنات عليها وتوسيعها , وعبرنة العمل وغيره وصولا للنكبة والتهجير القصري عبر المذابح .
ولا ننسى اللجان الدولية الترويضية التي كانت تتوالى ومعها توصياتها وكتبها البيضاء والزرقاء والسوداء التي كانت تأتي لإمتصاص الغضب الشعبي الفلسطين على الهجرة والإستيطان الصهيوني .
وما استمرار الإستيطان وتغوله وتوسعه حتى اليوم معكل متغيرات الظروف , وما يوازيه من هدم بيوت وأحياء وقرى في الداخل والضفة وتحديدا القدس , سوى تأكيد على ثبات فكرة ومقولة الأرض المفرغة من سكانها لدى الكيان الصهيوني , وماتهويد الأحياء العربية في المدن المحتلة بما فيها القدس والخليل وكذلك تدنيس وتهويد المقدسات , وتغيير الأسماء سوى محاولة لتزوير التاريخ , وما شق الطرق الإلتفافية سوى تكريس للفصل العنصري اولا وخدمة المستوطنين ثانيا لتكريس وتثبيت وجودهم على طريق ترسيخ الدولة اليهودية .
الكيان الصهيوني واضح بما يكفي في أهدافه وسياساته بلا مواربة ولا تلطي خلف إصبعه , هو رفض جميع المشاريع والقرارات الدولية بما فيها القرارات ذات الطابع الإنساني والثقافي والتاريخي والتراثي , عدا المتعلقة بالجانب السياسي , وآخرها كان قبل اسابيع بتمزيق القرار الدولي في المؤسسة الدولية نفسها .
وهو بهذا يُكشف عن الحاضنة الإستعمارية له وارتباطهما العضوي رغم مراهنة سلطتناعلى أمريكا واوروبا , وايضا يكشف حجم التحدي ليس للحق الفلسطيني والعربي والإسلامي فقط , بل تحدي كل شعوب الأرض ودولها الحرة , وبالطبع يزيل أي لبس حول ماهية الكيان ووظائفه ورؤيته لمستقبل الصراع مع الشعب الفلسطيني والأمة العربية .
إن التطبيع العربي والتآمر الرجعي مع الكيان , وطبيعة الإتفاقات الموقعة ذات الطابع الأمني اولا ,والإقتصادي ثانيا , والثقافي والرياضي ثالثا , لم يأتي كمتغير في الإستراتيجية الصهيونية , بل كتأكيد لمقولة ( اسرائيل الكبرى من المحيط للخليج ) بمفهوم تدرج فرض السيادة كما حصل في القضية الفلسطينية وتجزأة تنفيذها من الرياضي للثقافي والإقتصادي فالأمني وفي النهاية السياسي .
بعد هذا التكثيف لواقع نعيشه لا يمكن الشك بنوايا وأهداف الكيان , وما يتبقى هو حسم الموقف من هذه الحقائق , ومغادرة عقلية الرهان على مجتمع دولي وإمكانية فرض حلول على الكيان , او اللعب على وتر تعارضات الكيان الداخلية من يمين ويسار وإمكانية تحييد البعض منهم أو قلب عادلاتهم في عقيدتهم الصهيونية .
الصهيونية عقيدة , وألوانها وإن اختلفت في الشكل إلا انها تتوحد في الهدف . فأول من أسس الإستيطان هو حزب العمل , وأكثر من بنى مستوطنات هو حزب العمل ومن احتل الضفة والقطاع وسيناء والجولان وغزة هو حزب العمل , ومن كانت تثق به القيادة المتنفذة هو حزب العمل ورابين صاحب سياسة تكسير العظام , ومن وقعت معه اتفاقية اوسلو التي شكلت بوابة وذريعة للتطبيع هو حزب العمل , ومن لا يعتبر الزمن مقدسا هو حزب العمل , وصاحب مشروع الشرق اوسط الجديد في مجابهة الوحدة العربية و الذي قاد للتطبيع الخليجي والمغربي والأردني هو بيرس ( حزب العمل ) .
إن طرح والتمسك بشعار حل الدولتين في ظل كل هذا لا يعدو كونه خرافة على نمط العجائز . هذا بيع اوهام وتسويق هزائم ,فالكيان لا يرى في أصحاب اوسلو على ماقدموا من تنازل بأنهم ليسوا شركاء وإرهابيين , رغم التنسيق الأمني المقدس والحرص على حياة المستوطنين والمفاوضات خيار استراتيجي وحيد …. الخ من التنازلات .
إن تغيير جلد القيادة الفلسطينية وفكرها واهدافها بداعي التكتيك والمرحلية , أو بداعي التسليم بالواقع , أو التعايش , أو اختراق المجتمع الصهيوني , أو تلبية مطالبات الرأي ادولي …الخ من التبريرات , لن تغير في واقع الكيان شيء , ولن تقيم دويلة ولا جزر مستقله . وسيبقى كل هذا خرافة .
2021-12-06